أريد من القارئ العزيز أن يشاركني التفكير في بعض ما يعتري حياتنا من تعقيدات وتناقضات تعجز العقول عن إدراكها. لدينا ثنائيات لا أظن أنها تتوافق مع بعضها. من ذلك مثلا ثنائية محاربة الإرهاب والتنمية الاقتصادية. فكيف يمكن القيام بتنمية في ظل الاضطرابات الأمنية المستمرة، بغض النظر عن حجمها واتساع رقعتها، وعن اتفاق الناس أو اختلافهم حول تعريف ومفهوم واحد وموحد للإرهاب.
ولعل أول من يتفق معي في استحالة الجمع بين الأمرين؛ هم الذين أسسوا للإرهاب في مجتمعاتنا بالأمس القريب والداعون اليوم للقضاء عليه. هم بالطبع لا يصرحون بهذا الأمر؛ لكنهم يمارسونه على صعيد الواقع. فإذا وضعنا حجم تمويلهم مكافحة الإرهاب في كفة و تمويلهم لمشروعات التنمية في الكفة الأخرىن لاكتشفنا ببساطة اختلال الميزان اختلالا فادحا. وحين تسأل عن تقصيرهم فيما يخصصونه للتنمية، فإنهم سيتلكأون وينتحلون ألف عذر وعذر عن إحجامهم في تقديم ما تحتاجه التنمية، أو على الأقل ما وعدوا بتقديمه. ومما سيقولون: إن التنمية يلزمها مناخ مستقر، في الوقت الذي يدفعون بالبلاد إلى عدم الاستقرار، فتصبح الحكاية كسؤال: "هل البيضة أولا أم الدجاجة؟"، ومن ثم الوصول إلى طريق مسدود. ومن ضمن ما يقولون: أن الإدارة البيروقراطية عاجزة عن استيعاب ما يخصصونه للتنمية سواء بأدائها البطيء وعدم كفاءتها أم بما تستحوذ عليه مع خبرائهم من تلك المخصصات للمصالح الخاصة. ويمكننا أن نسأل ببساطة: هل كل ما ينفق على مكافحة ما يسمونه الإرهاب يذهب فعلا لمحاربة الإرهاب؟ أم لتوليد فروع له وأشكال جديدة منه؟ وهل يستأثر القائمون على هذا الأمر بالجزء الأكبر من تلك المخصصات لمصالحهم - كما يفعل العاملون في مجال التنمية- أم أنهم لا يفعلون؟ وهل البيروقراطية الإدارية وعدم الكفاءة هي نفسها هنا وهناك؟ أم أن العاملين في مجال مكافحة الإرهاب جاؤوا من كوكب آخر؟
ننتقل إلى الثنائية الثانية التي لا تركب مع بعضها؛ وهي صداقة بعض العرب الحميمة والمعلنة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، والعداء لإسرائيل في ذات الوقت. وسنخفف عبارة العداء فنقول الجفاء مع النظام الصهيوني المحتل حتى لا يظن أحد من حكامنا العرب أننا نريد أن نفرض عليه عداء غير موجود بينه وبين إسرائيل، وحتى لا نجرح مشاعر الصداقة الواضحة والخفية بينهم وبين كبار الصهاينة الذين يتبادلون معهم الزيارات في السر والعلن، ويخططون معا لمستقبل المنطقة.
وبالعقل نسأل: هل تقبل الإدارة الأميركية صداقة أي من حكامنا هؤلاء لولا أنهم مرتبطون بصداقة أخرى مع أحبابهم في تل أبيب؟ ( ولتوضيح الفارق بين العداء والجفاء أقول إن العداء يكون بين الخصوم أما الجفاء فلا يقع إلا بين الأحباب!).
يقول حكامنا العرب إنهم يقيمون أوثق العلاقات مع الولايات المتحدة ومع الكيان المحتل من أجل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية. ويبررون تبادل التمثيل الدبلوماسي بينهم وبين تل أبيب بهذه التَّـِعلَّة المضحكة. ودعك من استقدام الخبراء الإسرائيليين لتطوير زراعة البطيخ! فتلك تقتضيها المصلحة الوطنية كما يقولون!
والسؤال الآن هو: ماذا فعلت علاقاتهم الوثيقة للقضية الفلسطينية وأين وصلت بها؟ لقد رأينا ورأى العالم كله ما الذي حل بشعب فلسطــين وأرضــه منذ توقيع اتفاقيات التطبيــع في "كامب ديفيد" و "وادي عــربة".. وهاهـم مجـددا يسـوقون (السلطة الفلسطينية) سوقاً إلى مائدة المفاوضات المباشرة وفقا للمشيئة الإسرائيلية المدعومة بالنفوذ الأميركي الذي لا راد لقضائه، ودون أية شروط مسبقــة، بالــرغم عن أنف كل معــترض بما في ذلك السلطــة الفلسطينيــة ذاتها التي لا تستطيع (مسكينة) أن تخرج على الإجماع العربي والشرعية الدولية. ومع ذلك فليس بيدها أن تفعل شيئا على مائدة المفاوضات سوى التخلي عن الإجماع العربي وقرارات الشرعية الدولية. وأهم تلك القرارات هو الحفاظ على أمن دولة الاحتلال ومستوطنيها، أي تحويل المعركة الطبيعية بين شعب يدافع عن أرضه ووجوده ضد المحتل إلى استمرار وتصعيد المواجهات الدامية بين أبناء الشعب الفلسطيني.
وهم لم يسوقوا السلطة إلى المفاوضات المباشرة إلا لهذا الغرض وليس لأي غرض سواه.
"السياسية"