في الوقت الذي يذهب الحزب الحاكم لعقد جلسة حوار ومباحثات جديدة مع الحوثي في قطر لاستئناف العمل باتفاقية الدوحة برعاية قطرية لتجميد ملف الحرب وإحلال السلام المنهار في صعده، يسارع إلى وضع العراقيل والصعاب أمام اللجنة المشتركة للتهيئة والإعداد للحوار الوطني الشامل المناط به إخراج البلاد من حالة الانسداد السياسي ومن أزماتها المتراكمة التي تهددها بالانهيار.
وفي حين يُبدي الحاكم مرونة وتفهماً لمطالب الجماعات المسلحة في الشمال والجنوب، ويُظهر استعداده الكامل للجلوس معها، وإرضائها وتعويضها بما تطلبه، فإنه في المقابل يبدو أكثر تصلباً في مواقفه تجاه المعارضة السلمية ويميل نحو التشدد في التعامل معها.
في هذا السياق، باشر الحزب الحاكم في استفزاز أحزاب المشترك المؤتلفة معه في اللجنة المشتركة (لجنة المائتين) المعنية ببحث آلية وبرنامج الحوار المنتظر بين الطرفين، ورمى لها مجدداً بورقة اللجنة العليا للانتخابات التي من المفترض أنها جُمدت طبقاً لاتفاق فبراير، إلى أن يتم التوافق على تشكيل لجنة عليا جديدة كأحد شروط إتمام العملية الانتخابية، لكن من الواضح أن المؤتمر ما يزال متمسك بهذه اللجنة- فاقدة الشرعية- ولا يريد التفريط بها بسهولة، وهو يشعر أن التنازل عنها تنفيذاً لما جاء في اتفاق فبراير يعد تنازلاً من جانب واحد وبلا مقابل، بينما المعروف أن المقابل كان التمديد للحكومة ولمجلس النواب لمدة عامين كاملين، لكن المؤتمر بعد أن استوفى حقه يريد مضاعفة الثمن ويطلب مزيد من التنازلات.
تحريك الحزب الحاكم لورقة اللجنة العليا للانتخابات في هذا الوقت بالتزامن مع بدء جلسات اللجنة المشتركة هو بمثابة هروب من الحوار أو محاولة لفرض أجندة حوار مختلفة عما تم الاتفاق عليه ، ويمكن النظر إليه بوصفه ورقة ضغط للحصول على تنازلات جديدة من المشترك، وهو ما يمكن تصنيفه ضمن مساعي تعطيل الحوار والعمل على تتويهه، والزج به في متاهات جديدة لتبديد الوقت واستنزافه في قضايا بعيدة عن الحوار كي لا يخرج المتحاورون بأية نتائج عملية، إن خطوة كهذه لا يمكن تفسيرها بمعزل عن توجهات المؤتمر وحرصه على عدم إعطاء المشترك فرصة كافية لإنجاح تجربة الحوار، وإزالة كل العوائق التي تحول دون إتمام العملية الانتخابية بنجاح، واللافت أن يجيء هذا الأمر مصاحباً لتصريحات المصدر المسئول في المؤتمر وافتتاحيات صحيفة الثورة التي تؤكد جميعها على أن انتخابات 2011م ماضية وستتم في موعدها سواء نجح الحوار أو لم ينجح، وسواء اتفقت الأحزاب السياسية أو لم تتفق! فهل يعني ذلك أن قرار المضي في الانتخابات قد تم اتخاذه من قبل المؤتمر بصرف النظر عما سيتم التوصل إليه مع المشترك، وأن الحوار الذي يجري مع المعارضة هو تحصيل حاصل؟ الخطوات التي تجري على جبهة صعده من عودة المفاوضات واستدعاء الوسيط القطري وصولاً إلى اتفاقية (الدوحة2) هي أحد مؤشرات التهيئة للانتخابات المقبلة، وعلى الجبهة الجنوبية ذكرت بعض المصادر أن السلطة عقدت هدنة مع الجماعات المسلحة لتوفير الأجواء الآمنة لبطولة خليجي 20، وهذا بحد ذاته مؤشر آخر على أن بمقدور السلطة فعل الشيء نفسه إذا حانت ساعة الانتخابات البرلمانية في 27 أبريل 2011م، وتعد الهدنة التي أبرمتها السلطة مع زعيم جماعة الحراك في محافظة أبين مؤشر إضافي على ما تتمتع به السلطة من علاقات طيبة مع من تسميهم بالمخربين والخارجين على القانون وتلك الجماعات الإرهابية التي تتقاتل معها في طول البلاد وعرضها!! فهل يمكن القول أن السلطة نجحت في ترتيب أوضاعها الداخلية بما يُقنع شركائها الدوليين بمقدرتها على إدارة العملية الانتخابية بطريقتها الخاصة وإن لم تُعجب تلك الطريقة أحزاب المعارضة؟! في الواقع ما أوردناه مؤشرات فقط وليست دلائل كافية على أن السلطة باتت قادرة على انجاز العملية الانتخابية ولو بشكل منفرد ، فما تزال أحزاب المشترك تمثل الرقم الصعب في المعادلة الانتخابية، وما تزال الاتفاقات الموقعة مع الحزب الحاكم بمثابة الحبل الذي يشده نحو المعارضة ويصعب عليه الخلاص منه، أضف إلى ذلك فإن النظام وإن كان لا يزال يحظى بالدعم الدولي الذي تسيطر عليه مخاوف انهيار الدولة، إلاّ أن حلفاء النظام باتوا يعتبرونه عبئا عليهم أكثر منه حليف، وتمثل الانتخابات من وجهة نظرهم عملية إنقاذ ضرورية للنظام، وهي لن تتم أو يُكتب لها النجاح دون أن تكون المعارضة شريكاً أساسياً في العملية الانتخابية، وبالتالي فالحزب الحاكم أمام الفرصة الأخيرة التي ربما لن تتكرر للخروج من مأزق المشروعية السياسية، ومأزق الانحدار السريع نحو الكارثة، وعليه أن يختار ويحدد طريقه بنفسه.
من جانب آخر يدرك المؤتمر الحاكم وهو يذهب إلى الحوار مع المشترك أن اللجنة العليا للانتخابات لن تعود كما في السابق مجرد دائرة من دوائر اللجنة العامة تتلقى أوامرها منها، فالحوار سيفضي إلى إعادة تشكيلها طبقاً لاتفاق فبراير بما يمكن المعارضة من جعلها شريك حقيقي في إدارتها وصناعة القرار فيها، وتحويلها إلى مؤسسة وطنية في خدمة الوطن لا في خدمة فرد أو حزب بعينه، وهو ما يُقلق المؤتمر ويُشعره بعدم الاطمئنان، فتحرير اللجنة العليا للانتخابات من قبضته وسطوته أمر لا يروقه، فقد ظلت طيلة الفترة الماضية في خدمته، وهو يعتبرها أحد أدواته المهمة في مواجهة خصومه السياسيين، وواحدة من أهم أوراقه الانتخابية التي لطالما ساندته وعززت موقفه الانتخابي، وبالتالي هو يجد صعوبة بالغة في تقبل فكرة استقلاليتها وحياديتها لصالح تطوير التجربة الديمقراطية وإرضاءً لشركاء العملية السياسية، وبناءً عليه، يرغب المؤتمر في الاستفادة من لجنة الانتخابات حتى آخر لحظة قبل أن يجرفها الحوار، ومن ثم يحاول تعويض خسارته المتوقعة بفقدانه هذه الورقة عبر إعادة استخدامها للضغط على شركاء الحوار وابتزازهم ومقايضتهم بها قبل الشروع في إجراءات دفنها، المقابل ليس معروفاً على وجه التحديد، لكن من المتوقع أن يكون على علاقة بالتعديلات الدستورية وثيقة الصلة بالتمديد وتصفير العداد، وهي القضية التي تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام السلطة، لكنها لا تفصح عنها صراحة وتحبذ التعامل معها من تحت الطاولة عبر صفقة أو تسوية سياسية يقدم فيها الجانبان تنازلات لبعضهم ويتقاسمان المكاسب، وما تثبته الأيام أن زمن الصفقات ولى وانقضى ولم يعد ثمة من خيار غير تنفيذ الاتفاقات والاحتكام إلى الدستور والاعتراف بالأمر الواقع الذي يؤكد أن المشترك ليس ذلك التابع بل الشريك الذي لم يعد بمقدور أحد تجاهله أو تجاوزه.
"الصحوة نت"