التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > اليمن بعيون الغير

نزاعات التفكك وصراعات التغيير

2010/08/29 الساعة 23:08
د. رضوان السيد

ذكّرتْنا الاشتباكاتُ الأخيرةُ والتفجيرات بالصومال واليمن والعراق أُموراً ما كنّا قد نسيناها. فالمشكلات الدائرةُ في الصومال واليمن والسودان وربما العراق، لا يبدو أنها كما يحاول البعضُ تعزيتنا: مشكلات في طريق التغيير، وإلاّ فما هو التغيير المرجوُّ في الصومال من وراء "شباب المجاهدين"، والقرصنة في المحيط الهندي، وقتْل الناس بالفارغ وبالمليان؟! والطريف أنّ الصومال ليست فيه مشكلة دينية أو إثنية أو قَبَلية. فكلُّ الصوماليين مسلمون وعلى المذهب الشافعي. وتسودُ فيه (وفي جيبوتي المجاورة وأريتريا وأجزاء من إثيوبيا) قبائل كبرى لها بطونٌ وليست بينها نزاعات ولا صراعات على السلطة، ولذلك وبعد انهيار السلطة المركزية في العام 1992/1991 ما ظهرت ميليشيات قَبَلية قوية من وراء أُمراء الحرب، وإنما تكونت أكثر الميليشيات من بقايا الجيش وقوى الأمن. وبسبب ضعف العصبية القبلية استطاعت "المحاكم" الإسلامية أن تُسيطر، ثم صعد نجم تنظيم " شباب المجاهدين" بدعمٍ من"القاعدة"، ومن "غنائم" السفن المخطوفة في المحيط الهندي. وهؤلاء" الشباب" من أفراخ المدن والبلدات ومشرَّديها وفتيانها الذين لم يعرفوا مدرسةً ولا انتساباً قَبَلياً. لقد كانت مشكلة الصومال أنّ حاكمها العسكري أراد بحقٍ ومن دون حقٍ الاستقواءَ على جيرانه في إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، وبعد تدخُّله في أوغادين (أقاليم إثيوبية يقول الصوماليون إنها أُخذتْ منهم) وهزيمته، أقبل الجنرالات على التصارُع فيما بينهم بشأن من يتحمل المسؤولية، واعتزمت دول الجوار أن لا تسمح بقيام سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ بالصومال بعد ذلك. ولم تكن القوى الدولية المتحركة بالمحيط الهندي والقرن الأفريقي بعيدةً عن ذاك الاضطراب. وتدخلت الولايات المتحدة وقوى أُخرى للمساعدة على المجاعة عام 1994/1993، لكنّ عسكرها انسحب عندما ازدادت خسائره. وبقي الصومال ساحةً لصراعاتٍ من كلّ الأشكال، إلى أن جاءت الهجمة الأميركية على الإرهاب، فأرسل الأميركيون الإثيوبيين، الذين ضربوا "المحاكم" وفرضوا الهدوء لبعض الوقت فتدخلت ضدّهم أريتريا، وازدادت عليهم الأعباء، إلى أن خرجوا وحلّت محلَّهم الصيغة الحالية وفيها تقف الحكومة المؤقتة تدعمها قوة الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي في مواجهة "شباب المجاهدين" تدعمهم "القاعدة"، والواقع أنّ الصيغة الحالية هي الوحيدة التي تملك مستقبلاً في المدى القريب، إنْ حظيت بدعمٍ أكبر من القوى الكبرى في المحيط الهندي، ومن الاتحاد الأفريقي. فالصومال اليومَ فضلاً عن اضطرابه الداخلي الذي يُهدّد وجودَ شعبه، واستقرار القرن الأفريقي، صار مقراً للقاعدة، وصار تهديداً للملاحة في المحيط الهندي. وهذه ثلاثةُ أسبابٍ تدعو الجميع لمحاولة إعادة النظام فالدولة إليه.

ومع أنّ الاضطراب في الصومال سابقٌ على الصراعات من حول الإرهاب؛ فإنه صار جزءًا من المشهد الذي أثاره الاصطدام المروِّع بين "القاعدة" والولايات المتحدة. والوضع يختلف في العراق. فالولايات المتحدة هي التي فتحت الصراع على العراق وفيه، معتبرةً ذلك جزءًا من الحرب على الإرهاب بدون داعٍ أو مبرِّر. وفي أعقاب دخول الولايات المتحدة بعسكرها على العراق، جاء كُلُّ الآخرين.

ومع أنّ المشهد بالعراق يبدو أفضل من الصومال بكثير؛ فالواقع أنّ الانسحاب الأميركي سيزيد من حرص كلّ الآخرين على التدخل. وقبل أيام سقط بالعراق في يومٍ واحدٍ أكثر من ثلاثمائة قتيل وجريح نتيجة الهجوم على مراكز للشرطة في أنحاء مختلفة. وتكاد تمضي ستة أشهُر على الانتخابات، دون أن تستطيع الأحزابُ العراقية الاتّفاق على تشكيل الحكومة. فالاتجاه حتى الآن نحو التغيير، لكنّ الاندفاعة فُقدت أو تراجعت، والمأمول أن لا يتحول الأمر إلى نزاع نحو الصوملة والمستنقع المضطرب لشتّى الأسباب.

ولا بد من عودةٍ إلى اليمن للتفريق أيضاً بين المستنقع الاضطرابي، والاتجاه للتغيير. فهناك باليمن منذ أكثر من خمس سنوات ثلاثة مشاهد كلّها مُقلقة: مشهد منطقة صعدة بالشمال حتى الحدود مع المملكة العربية السعودية، وقد صنعته الظاهرة الحوثية التي صارعتْها القوى العسكرية اليمنية، وصارت اليومَ جزءًا من الاضطراب القَبلي. والإشارات في هذا المشهد متعددة. هناك الثوران الشعبي الزيدي المتأثر بالمشهد العام بالمنطقة نتيجة الاندفاعة الإيرانية. وهناك الحساسيات المتعددة على الحدود مع السعودية. وهناك الاضطراب القَبَلي الناجم عن سوء إدارة السلطة السياسية لكلّ الملفّات عبر عشرات الأعوام. والمشهد الآخَرُ مشهدُ الحِراك الجنوبي، وهو الأخطر والأكبر. إذ إنه يوقظ حساسية محلية على ذكريات دولة الجنوب اليمني السابقة. وتشارك فيه عناصر حزبية اشتراكية وسلفية وقَبَلية. ويتزايد استخدام السلاح بين الدولة والمتظاهرين. ثم إن عناصر من هذا الحِراك توشكُ أن تختلط بالمناطق المجاورة التي تمركزت فيها "القاعدة" في السنوات الأخيرة. وفي هذا المشهد أيضاً يبدو سوء تصرف السلطة ظاهراً للعيان. والمشهد الثالث الذي يُوليهِ الأميركيون أقصى درجات الاهتمام باليمن، هو المشهد الذي ظهرت فيه "القاعدة" في المناطق الجبلية/ القَبَلية بين شمال اليمن وجنوبه، وعلى مقربةٍ من الحدود اليمنية- السعودية في تلك المرتفعات العسِرة المداخل والمخارج. وتأتي خطورة الموقف هناك ليس من كثرة عدد "القاعديين"، فهم لا يزيدون على المائة بين يمنيين وسعوديين. لكنهم على صِلةٍ من جهة بالاضطراب في الصومال والمحيط الهندي وصولاً إلى أفغانستان وباكستان.

إنّ هذه التطورات باليمن، لا يمكن اعتبارها اتجاهاً للتغيير الإيجابي أو الموضوعي. بل هي ظواهر سلبية ناجمة عن عوامل فوضى وفساد وسوء إدارة، واستغلال من جانب الفاعلين الإقليميين والدوليين لتلك العوامل. وليست هناك أمارات أو إشارات على تصدٍّ بنّاء وفعّال وشامل. فالأميركيون مهتمون بمكافحة "القاعدة"، لكنّ طرائقهم التي لم تُفِدْ في المسرح الأفغاني- الباكستاني (=وزيرستان)، لن تفيد في اليمن، وقد تزيد من التفاف بعض البطون القَبَلية من حول القاعدة المنغرسة الآن في تلك الشِعاب. والعربُ من حول اليمن، يقدّمون مساعدات تنموية، لكنّ الفساد ينخر في اليمن، بحيث تتآكل التنمويات قبل أن تصل إلى أهدافها.

أمّا ما يَرِدُ بالعراق واليمن في صيغة الاحتمال؛ فإنه فاقعُ الوقْع في السودان. فجنوب البلاد يتجه نحو الانفصال خلال عام، وهو ليس انفصالاً سلمياً شأن ما حصل بين تشيكيا وسلوفاكيا مَثَلاً؛ بل يتوقع المراقبون اضطراباً هائلاً بالداخل الجنوبي بين القبائل والأقاليم، كما يتوقعون حروباً متنقلةً على الحدود بين الشمال والجنوب بسبب البترول(= أبيي)، وبسبب القبائل والمراعي في الناحيتين. وهمُّ الجنوب على ضخامته، لا ينبغي أن يُلهينا عن مناطق أساسية في الشمال مثل دارفور المضطربة، وأعالي النيل، وكردفان. وإذا كانت الشكوى في اليمن من الفساد وسوء الإدارة؛ فإنّ الشكوى في السودان إضافةً لذلك من شراسة السلطة، ومن التدخلات الإقليمية والدولية. فالتغيرات في السودان توشك أن تتحول إلى تغييرات استراتيجية في القرن الأفريقي تؤثر أيضاً على مصر وعلى ليبيا. فالعرب الذين دأَبوا على الانكماش من شرق أفريقيا عبر العقود الماضية، ينكمشون الآن عن القرن الأفريقي، ويزدادون ضعفاً في البحر الأحمر والمحيط الهندي ومضيق باب المندب وهُرمُز، وتخشى مصر على منابع النيل. وهذا فضلاً عن التشرذم الذي نال العرب وينالُهُمْ في السودان الشمالي، ومن وراء ذلك في إثيوبيا أو إريتريا ذات الأكثرية الإسلامية. ففي كل هذه المواقع، وبقدرة قادر، يقف العرب أو يُوقَفون، في مواجهة الأفارقة- في حين يقع الطرفان في الحقيقة ضحايا للسياسات الدولية.

قبل عقدٍ من الزمان، وعلى مشارف الهجمة الأميركية على المنطقة، كانت الصومال ضائعة، والآخرون يتعرضون للتهديد. أمّا اليوم؛ فإنّ هناك بالإضافة للصومال ثلاثة بلدان عربية معتبرة وكبيرة تقف على حافّة الضياع، والأسبابُ مشتركة بين التدخلات الأجنبية، وسوء الإدارة السياسية الداخلية.

"الاتحاد"

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC