التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > رأي وموقف

إنسان من نوع خاص ..!!

2010/02/20 الساعة 08:02
علي جمال الدين ناصف

 

عرفته صخرى الوجه صلب الجبين ،  لم يعرف وجهه يوما حمرة الخجل ، ولا برقع الحياء،  لا يتوقى شيئا ، و لا يبالى ما يقول .  إن كان لكل الناس وجه و لون ولسان ، فلهذا المخلوق أوجه و ألوان و ألسنة .  تجده صديقك و عدوك حسب الظروف الخارجية ،  لا حسب ما يصدر منك ، و هو مادحك و ذامك  حسبما يدور فى المجلس ،  لا حسب رأيه ، تجده عابس لك يوما ، و باسما لك يوما وحسب ما يقدر هو أنه فى مصلحته ،  لا حسبما تستحق أنت  منه ، له حاسه زائدة عن حواس الناس الخمس هى سر من اسرار نجاحه المزعوم ،  و لهذه الحاسه خصائص فهو يدرك بها أى شخص صاحب  منصبا رئاسيا ليحول نفسه وفق صاحب المنصب و الجاه ،  و يتجهم لأعدائه ،  و يقترب من أحبابه ،  و يشم بها مواطن المال فى كل الاحوال ، و يرى بها من يجلب له النفع ،  ويؤقلم وفق ذلك نفسه ، فيتشكل بأشكال فى منتهى الظرف و الطلاوة ،  فإذا عدوه اللدود بالأمس صديقه الحميم اليوم .  و يعرف بها فى مهارة عجيبة موضع الضعف من كل إنسان يهمه أمره ..! فإن كان يعبد النساء حدثه أعذب الحديث فى النساء و الجمال و حسن الشكل ، و بدع المحاسن ، و جمال الملامح ، و أخذ يستعرض له نساء البلد ،  و أية حوراء العنين ، كحلاء الجفون ، ساجية الطرف ، فاترة اللحظ ،  و أية أسيلة الخد ممشوقة القد ،  و أية بيضاء اللون ، شقراء الشعر ،  زرقاء العين ، و أية سوداء العين ، سمراء اللون ،  سوداء الشعر ، و أية ممتلئة البدن ، ضخمة الخلق ، شبعى الوشاح ، و أية دقيقة الشبح ،  نحيلة الظل ،  مرهفة الجسم ، و تفنن فى ذلك ما شاء أن يتفنن حتى يملك عقله ،  و يستعبد هذا العقل  ، فإذا هو يصبيح طوع بنانه و مستودع أسراره .

و آه ...  و إن كان سكيرا حدثه الحديث الممتع فى الشرب و الشراب ، والكؤوس و الأكواب ، و آداب النديم ، وروى له أحسن الشعر فى الخمر ، وحثه عما يمزج و ما لا يمزج ، و خير الخمور و مواردها و تواريخها ،  ثم تراه يتعرف على ما يستحسنه صاحبه ،  فأفرط فى مدحه و أدعى الاعجاب به ، و أنه لا يفضل عليه غيره ،  و أن ذوقه من ذوقه و شرابه من شرابه و مزاجه من مزاجه ،  و أسكره من حديثه كما أسكره من كأسه ،  فإذا هما صديقان و ثقت بينهما الكأس و الطاس .

و آه ... لو كان شرها فى المال حدثه عن الضياع و محاسن الأراضى و كيفية استغلالها ، و العمارات و جباياتها ،  و أخذ يوزازن بين أنواع العقار و كم فى المائة يمكن أن تغل من الايراد ، و أعانه فى  مشكلاته ، و بذل له كل أنواع معونته ، فوجد فيه صديقه النافع و خليله المواتى .  هذا و قد تهديه حاسته أن يعمد إلى عدد من الرؤوس الكبار ذو النفوذ فينصب لهم حبالته ،  و يوقعهم فى شبكته ،  بما يبذر من حب ذى أشكال و ألوان ،  فإذا تم له ذلك خضع الصغار من تلقاء أنفسهم و طوع إرادتهم ،  و ضرب لهم مثلا بقضاء حاجات لبعضهم ما كانت لتقضى من غيره ، فيصبح مقصد الجميع ، و محيط آمالهم و موضع الرجاء منهم ،  يعملون كلهم فى خدمته على أن ينالوا شيئا من جاهه ،  فإذا هو أصبح سيد على الصغار و الكبار ، و إذا هو يصبح عظيم حيث كان ، يقابل بالاجلال و الإعظام ، و يتملق من أتباعه و إخوانه ، و يحسب له حساب  فى دائرته و أوسع من دائرته بكثير.

و بجانب هذه الحقائق القليلة قدر كبير من التهويل ، تراه يزعم أنه فى كل ليلة جليس الكبراء ،  كم يتغزلون فيه و يطلبون القرب منه ،  و هو يتأبى عليهم و يبتعد عنهم ،  فهو لو شاء لكانت إشارة منه  ترفع من شاء إلى أعلى عليين ، و يخفض من شاء إلى أسفل سافلين ،  الوزارة فى يده ،  و أن الوزير لا يتخلى عنه لحظه ،  حتى تراه يتضايق من شدة إعتماد الوزير عليه فى كل شئ.  هو يستغل هذا كله فى قضاء مصالحه ، فطلباته ناجزة نافذة ، و المستحيل لغيره جائز له ،  و الاموال تكال له كيلا ،  و الهدايا تنهال عليه إنهيالا ،  و مع ذلك لا يشبع ، فكلما نال مطلبا تفتحت له مطالب ، فهو فى طلب دائم ، و من بيدهم الأمور فى إجابة دائمة .

و من المستغرب له أن الناس يكرهونه من أعماق نفوسهم ،  و يمقتونه من صميم قلوبهم ،  و يرون فيه السخافة مركزة ،  فإن لقوه فترحيب و تهليل ،  و إعظام و ملق ،  يتسابقون فى بسط السنتهم فه بالسوء غائبا ،  و يطنبون فى مدحه حاضرا ،  فهو معذور إذ يشعر أن الناس مجمعون على حبه .  فهو فى هذا ينتفع بإعظامهم و إجلالهم ،  و لا يضره كرههم الذى لا يعدو قلوبهم ، فكرههم لأنفسهم ،  و إعظامهم له ،  و ماذا يضره كره محتقن و خير منه حب مصطنع ؟  و ماذا أيضا يضيره سب صادق فى إسرار ، و خير منه مدح كاذب فى إعلان ..!!

فهل ترى أن هذا الانسان بمقاييس النجاج ناجحا ؟  فإن كان النجاح بقضاء المصالح و الأغراض و الحصول على المال فحسب ، لكان السارق الذى يجيد السرقة و يفلت من العقوبة ناجحا ،   و كان من يتاجر بشرفه و عرضه ناجحا ،  فهذا الانسان من هذا النوع الخاص ، فإن قسته بمقياس أخلاقى لم تجده شيئا ،  إن قسته بمقياس الفضيلة الباتة الحاسمة لم تجده  فاضلا ،  و إن قسته بمقياس السعادة  لم تجدة سعيدا ، إنه يتمتع و يأكل كما تأكل الأنعام ، فإن كان الحمار أو الخنزير سعيدا فهذا سعيد ،   و أين منه لذة ذى الضمير الحى ؟  ينعم بموافق الشرف و النبل ، ويلذهما لذة لا يعدلها ما ذكرنا من مال و جاه ؟  فالرجل الفاضل تراه سعيدا فى آلامه ،  لأنها آلام لذيذة خصبة ،  تجدها كالنار تنضح النفس ولا تحرقها ،  أما لذة هذا الانسان ذى النوع الخاص قسم فى دسم ، و نار تحرق ولا تنضج ،  و بعد قليل من حياته يفقد حتى لذة المال و الجاه ،  و تصبح لذتهما كلذة من يتناول الحلوى صباح مساء تتهوع نفسه و تنقبض شهيته ، فإن اللذة الباقية الدائمه هى لذة الروح لا الجسد ،  و من العجيب فى أمر الروح أن لذتها لذة صافية , ألمها  ألم مشوب بلذة . ثم لذة هذا الانسان إن صح ان نسميه انسان ،  لذه مشروطة بشروط ، من بينها انه يعتقد أن لذته مرتبطة ببقاء صاحبة فى الوزارة ، وحميمه فى منصبه ،  و حتى نجاح هذا الشخص فى أمة عنوان فشلها و سوء تقديرها ، وضعف الرأى العام فيها ،  فهو مثل سيئ يشجع البذور السيئة على النماء و البذور الصالحة على الخفاء .

يارب

إذا أعطيتنى مـــالا     لا تـأخذ سعادتـــــى

وإذا  أعطيتنى قــوة     لا تــأخذ عقلـــــى

وإذا أعطيتنى نجاحـا       لا تــأخذ تواضعــــى

وإذا أعطيتنى تواضعا       لا تأخذ إعتزازى بكرامتـى

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC