"المفخخون" .. "المسممون"
قُدر لهذا الوطن أن يُنكب بأبنائه، سلطة ومعارضة على السواء، فليس هناك من هو أحرص على تدمير هذا البلد وأمنه واستقراره من السياسيين الذين يتنافسون على جلب المزيد من الكوارث لوطن يتمزّق ويتشرذم، وكأنهم يتحلّقون حول جثة رجل مريض ويتنازعون على من سيدفنها قبل الآخر.
خلال الأيام القليلة الماضية، وبعد موجة من التفاؤل سرت بين الناس بعد توقيع اتفاق السابع عشر من شهر يوليو الماضي، عاد الطرفان ليخرجا المصطلحات التي كانا قد تناسياها خلال فترة لا تتعدى أياماً قليلة، وبدآ باستخدامها من جديد، فرأينا عودة لمفردات "التشكيك والتخوين"، و"التسميم والتفخيخ" في الخطابات والاتهامات بين الطرفين، بل بدت مصطلحات الأيام الفارطة أكثر شدة وحدّة من المُصطلحات السابقة.
ويتساءل الجميع عن أي حوار يمكن أن يبدأ؛ فضلاً عن أن ينجح، في ظل هذه الأجواء المشحونة و"المسمومة " و"المفخخة"، فالطرفان يعتقدان أن قواعد اللعبة تتطلب أن يبتز كل الآخر للحصول على تنازلات إضافية وكأنهما لم يشبعا من هذه التنازلات، لكنهما لا يدركان أن البلد ينهار مع مرور كل يوم، ولن يستعيد عافيته إذا ما بقي أصحاب "الحل والعقد" على موقفهما ولم يعودا إلى رُشدهما.
الكل ينصح، والجميع قلق من الأوضاع الكارثية التي تواجهها البلاد إلا المتناطحون في السلطة والمعارضة، فكل طرف يعتقد أن الحقيقة بكيسها ورباطها لديه، وغير مستعد لتقديم تنازل من جهته ليفسح المجال لانطلاق الحوار الذي تأخر كثيراً، الأدهى أنه بدأت تُرمى إلى الساحة أوراق معطلة للحوار أكثر ممّا هي مفيدة له.
وبصرف النظر عن كونها شرعية أو غير شرعية؛ فإن رمي "كارت" اللجنة العليا للانتخابات في هذا التوقيت رغم الإحجام عن استخدام هذا "الكارت السياسي" في وقت سابق، لم يكن خُطوة صائبة من الحاكم، فهو يدرك أن المعارضة تنظر إلى اللجنة بأنها غير شرعية انطلاقاً من تفسيرها لاتفاق فبراير، الذي نص على إعادة تشكيلها، وكان الأجدر بالطرفين أن يسرعا في البدء بالحوار وأن تكون قضية اللجنة العليا للانتخابات على رأس القضايا المطروحة للنقاش، وأن يجري حسم الخلاف بشأنها بأقصى سرعة مُمكنة، وأن تمارس اللجنة عملها وفق "اتفاق" لا وفق "شقاق"، كما هو حاصل اليوم.
كان بإمكان الطرفين، بخاصة بعد أن شكلا اللجان المصغّرة، أن يسارعا في عقد الاجتماعات وبشكل مكثّف وأن يناقشا قضية إعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات عوضاً عن إهدار الوقت وتضييعه في قضايا شكلية وتافهة لا تستحق إضاعة كل هذا الوقت من أجلها.
يخشى أن يكون الاتفاق الأخير، الموقّع في السابع عشر من يوليو وما لحقه من تشكيل لجان مصغّرة وأخرى "مقعرّة" وغيرها من اللجان، لغماً في طريق حل القضايا المعلّقة في البلاد منذ سنوات، بخاصة منذ ما بعد الحرب الأهلية العام 1994، فتشكيل اللجان المصغّرة بأسمائها الحالية غيّب طرفاً أساسياً وهاماً في المُعادلة السياسية، وهو الحزب الاشتراكي اليمني، وبدت رئاسة اللجنة المصغّرة التي تم تشكيلها رباعياً وكأنها ما زالت محصورة بين الطرف المنتصر وحلفائه في الحرب وما بعد الحرب، وهذه قضية تحتاج إلى إعادة نظر إذا ما أريد للحوار أن ينجح وأن يخرج بنتائج إيجابية في المستقبل.
"السياسية"