لم يكن السيد حسن نصرالله في حاجة إلى حشد كل هذه القرائن التاريخية والجوية كي يثبت تورط “إسرائيل” في اغتيال رفيق الحريري .
كانت دعوته إلى رسم خريطة معرفية لاعترافات أكثر من 100 جاسوس قيد الاعتقال لدى السلطات الرسمية اللبنانية، كافية لبناء قضية قضائية تعادل في أهميتها وإثباتاتها عشر محاكم دولية من طراز المحكمة الخاصة بلبنان .
فهؤلاء العملاء كشفوا في اعترافاتهم، ليس المتابعات الاستخبارية “الإسرائيلية” الدقيقة فقط، بل ما هم أهم بكثير: الاستهدافات السياسية للموساد، وهي في الدرجة الأولى تفجير الفتن المذهبية والطائفية في لبنان منذ العام ،1993 وصولاً إلى العام ،2010 مروراً بالطبع بسنة 2005 حين تم اغتيال الحريري .
وهذا واضح من حفنة الاعترافات التي كشف عنها نصر الله، (وهي بالطبع غيض من فيض، والباقي أعظم)، التي كشفت النقاب عن أن الموساد كان يرصد تحركات سمير جعجع على رغم أنه من أشد خصوم حزب الله، ربما بهدف اغتياله لإثارة فتنة مذهبية مسيحية - مسيحية أو فتنة طائفية إسلامية- مسيحية . كما كشفت النقاب عن رصد منزل رئيس الجمهورية ميشال سليمان وقائد الجيش جان قهوجي وعشرات السياسيين اللبنانيين .
الآن، إذا ما جمعنا اعترافات المئة عميل في لوحة واحدة، ثم قام المحللون بتحديد الروابط بين خيوطها، فعَلامَ سنحصل؟ على الأرجح على الخيوط التي تؤدي إلى الخطط “الإسرائيلية” لاغتيال الحريري .
لكن، لماذا قد تجد “إسرائيل” مصلحة في اغتيال شخصية وثيقة الصلة بالفرنسيين والأمريكيين والعرب “المعتدلين”؟
هنا تدخل الدوافع السياسية للاغتيال على الخط، لتوضح أن عملية الاغتيال كانت “ضربة” “إسرائيلية”، إذ هي جاءت بعد عام واحد من توقيع الصفقة السرّية بين باريس وواشنطن العام 2004 لإخراج القوات السورية من لبنان، والتي أنتجت في خاتمة المطاف القرار الدولي الرقم ،1559 وأي سبيل أفضل لتحقيق هذا المسعى من القيام بعملية اغتيال زلزالية تُسفر عن تسريع تنفيذ هذا القرار برمشة عين؟
على أي حال، هذا ماحدث بالفعل . فالمليون متظاهر لبناني الذين نزلوا إلى الشوارع غداة الاغتيال ليصرخوا “أي ياللا، سوريا طلعي برّه”، كان بالتحديد هو ما يسعى إليه مخططو الاغتيال . وحين تم خروج السوريين بالفعل، استدارت التحقيقات 90 درجة لتحوّل الاتهامات بتنفيذ العملية من صدع سوريا إلى رأس حزب الله .
المئة عميل قادرون تماماً على منح هذا السيناريو الحقيقي لحماً وعظماً معلوماتياً . والسياسيون اللبنانيون والعرب “العادلون” قادرون على منحه البعد الزمني الراهني، من خلال إماطة اللثام عن الأهداف الحالية “الإسرائيلية” لاستخدام مداولات المحكمة الدولية: تفجير فتنة مذهبية كبرى في وجه المقاومة اللبنانية، تُغني “تل أبيب” تماماً عن شن حرب قد تُكلّفها سقوط 40 ألف صاروخ على مدنها ومصانعها ومنتجعاتها ومستوطناتها .
الفرصة أكثر من سانحة الآن لتجنّب هذه الفتنة المدمّرة . كل ما على المسؤولين اللبنانيين عمله هو الانطلاق من إفادات العملاء المعتقلين للمطالبة إما بتحقيق دولي جديد يأخذ النشاطات “الإسرائيلية” الخطرة في عين الاعتبار، أو تغيير كل النهج الراهن للمحكمة الدولية بحملها على التحقيق مع كبار المسؤولين “الإسرائيليين” .
نصرالله قام بما عليه . بقي أن تقوم الحكومة اللبنانية بما عليها، إذا ما أرادت الحقيقة الحقّة، وإنقاذ البلاد من الفتن “الإسرائيلية” الدموية .
saad-mehio@hotmail.com
"الخليج"