التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > رأي وموقف

لماذا ذهب الضحك عنى ..!!

2010/08/04 الساعة 20:32
علي جمال الدين ناصف

قد عرفت من أهل المناطقة فى أحد تعريفاتهم للإنسان : " الإنسان حيوان ضاحك "  و هذا عندى أظرف من تعريفهم الآخر : " الإنسان حيوان ناطق "  ،  فالانسان فى هذا الزمان       أحوج إلى الضحك منه إلى التفكير ،  أو على الأصح نحن أحوج ما نكون إلى التفكير و الضحك معاً ،  و لكن لِمّ  خصت الطبيعة الإنسان بالضحك ؟؟

قد أرى أن السبب بسيط جداً .  فالطبيعة لم تحمّل حيواناً آخر من الهموم ما حمّلته الإنسان ، فهمّ الحمار و الكلب و القرد و سائر الحيوانات .. أكلة يأكلها فى سذاجة و بساطة  ،  و شربة يشربها فى سذاجة و بساطة أيضاً ، فإن نال الحمار قبضة من تبن و حفنة من فول و غرفة من ماء ،  فعلى الدنيا العفاء ،  ولكن تعال معى فانظر إلى الإنسان المعقد المركب !  يحسب حساب غده ،  كما يحسب حساب يومه ،  كما يحسب حساب أمسة ،  و يخلق من هموم الحياة ما لا طاقة له به ، فيحب و يهيم بالحب حتى الجنون ،  و يشتهى و يعقّد شهواته حتى لا يكون لعقدها حل ،  فإذا حلت من ناحية عقدها من ناحية  آخرى ،  ثم إذا سذجت اللذة و تبسطت لم تعجبه ، بل أخرجها من باب اللذة ،  و عقد أمله على لذة معقدة ,  حتى إذا تفلسف خرج بها عن المعقول ،  و حاول أن ينال ما فوق عقله ،  ولم تعجبه الأرض و السموات مجالاً لبحثه ،  إنما يريد و الماهية و الكُنه ،  و ويلاه من كل ذلك ... !

كما أن الطبيعة عودتنا أن تجعل لكل باب مفتاحا ،  ولكل كرب خلاصا ،  ولكل عقدة حلا ،  ولكل شدة فرجا ،  فلما رأت الانسان يكثر من الهموم و يخلق لنفسه المشكلات و المتاعب التى لا حد لها ، أوجدت لكل ذلك علاجا  ،  فكان الضحك .. و بطبيعة الحال فإن الطبيعه ليست مسرفة فى المنح ،  فلما لم تجد للحيوانات كلها هموما لم تضحكها ،  و لما وجدت الإنسان وحده هو المهموم المغموم ،  جعلته وحده هو الحيوان الضاحك .

مع ذلك لى نفس قد مهرت فى خلق أسباب الحزن ،   و نبغت فى اقتناص دواعيه ،  تخلقها من الكثير ،  و من القليل ، و من لا شئ ، بل و تخلقها من دواعى الفرح أيضا ،  وليست لها هذه المهارة ولا بعضها فى خلق أسباب السرور ،  كأن فى نفسى مستودعاً كبيراً من اللون الأسود ، لا يظهر مظهر أمام العين حتى تسرع النفس فتغترف منه غرفة تسود بها كل المناظر التى تعرض لها ،  ثم ليس لها مثل هذا  المستودع من الون الأحمر أو اللون الأبيض !!

ما أحوجنى إلى ضحكة تخرج من أعماق صدرى فيدوى بها دوى !! ضحكة حية صافية عالية ،  ليست من جنس التبسم ،  ولا من قبيل السخرية و الاستهزاء ،  ولا هى ضحكة صفراء لا تعبر عما فى القلب ،  إنما أريدها ضحكة أمسك منها صدرى ،  و أدق بها الارض برجلى ،  ضحكة ملأ شدقى ، و تبدى ناجذى ،  و تفرج كربى و تكشف همى .

لست أدرى لماذا تجيبنى الدمعة ،  و تستعصى علي الضحكة ، و يسرع إلى الحزن ،  و يبطئ عنى السرور ، حتى لئن كان تسعة و تسعون سبباً تدع إلى الضحكة و سبب واحد يدعو إلى الدمعة ، غلب الدمع و أنهزم الضحك ،  و أطاع القلب داعى الحزن ولم يطع دواعى السرور ..!

فالضحك بلسم الهموم و مرهم الأحزان ،  وله طريقة عجيبة يستطيع بها أن يحمل عنك الأثقال ،  و يحط عنك الصعاب ،  و يفك منك الأغلال  .. ولو إلى حين .. حتى يقوى ظهرك على النهوض بها ، و تشتد سواعدك لحملها .

حتى مظاهر رقى الأمم نجد فيها نواحى المضحكات ملائمة لاختلاف الطبقات :  فللأطفال قصصهم و ألاعيبهم و مضحكاتهم ، و لعامة الشعب مثل ذلك ,،  و للخاصة و ذوى العقول الراقية المثقفة ملاهيهم و انديتهم و مضحكاتهم .  فإن رأيت أمما ، كأممنا الشرقية ،  حرم مثقفوها من معاهد الضحك ،  وكانت مسلاتهم الوحيدة أن ينحطوا ليضحكوا ، أو يرتشفوا من الأدب الغربى ليضحكوا ، فهى أمم ناقصة فى أدبها ،  فقيرة فى معاهدها ،  أنه يعد ضرب من ضروب الظلمى و التخلف  التى نعيشها فى ظل فلسفه مظلمه .

لماذا ذهب الضحك عنى و انا فى اشد الحاجه اليه  ،، لقد عرفت أننا يمكن بك نستغنى عن ثلاث أرباع ما فى الصيدليات من دواء بالضحك ، فضحكة واحدة خير ألف مرة من حبة " بنادول "  أو حبة " اسبرين "  لان الضحك هو علاج الطبيعة ،، و ما فى الصيدليات ماهو إلا علاج الإنسان ،  و الطبيعة أمهر علاجا و أصدق نظراً و أكثر حنكة .  ألا ترى كيف تعالج الطبيعه جسم الإنسان بما تمده من حرارة و برودة ،  و كرات حمراء و بيضاء ،  و آلاف من الأشياء يعالج بها الجسم نفسه ليتغلب على المرض و يعود إلى الصحة ،  ولا يقاس بذلك شئ من العلاج المصطنع .

أننى ابكيك ايها الضحك ،، فراقك عنى اجهدنى ادعوك أن تعود فأنا فى حنين اليك فهل تجيب  النداء ... كل من سمعنى أقترب منى عداه و قالوا لى : إضحك يدخل قلبك السرور . و أنا اقول لهم : أدخلوا السرور على قلبى أضحك . ففى المسأله ( الدور ) كما يقول علماء الكلام، و كما يقول الشاعر :

          مسألة " الدور " جرت                    بينى و بين من أجب

          لولا مشيبى    ما   جفـا                    لولا جفــاه لم  أشيب

لقد قرأت قصة لطيفة تقول : أن بئراً ركب عليها دلوان ،  ينزل أحدهما فاراغا ، و يطلع الآخر ملآن ،  فلما تقابلا فى منتصف البئر سأل الفارغ الملآن : مم تبكى ؟  فقال : و مالى لا أبكى ؟  أخذ الرجل مائى  و سيأخذه و سيعيدنى إلى قاع البئر المظلم ..!  و أنت مم تضحك و ترقص ؟  فقال الفارغ :  و مالى لا أضحك ؟  سأنزل البئر و أمتلئ  ماءً صافياً و أطلع بعد إلى النور و الضياء .  و لعلى بذلك أدركت أن مؤلف القصة يلقى الضوء على أن الحياة مليئة بأشخاص يتولون عملا واحداً ، ثم هذا ينظر إليه من الجانب السار الفرح ،  و ذاك ينظر إليه من الجانب الحزين القابض .. ففهمت لماذا ذهب عنى الضحك ..!! فتعالى معى ،  فجرب أن تلقى الحياة باسما أحياناً ، ضاحكا أحيانا ،  و لتكن الدلو الراقص ،  ولا تكن الدلو الدامع ، مع الاعتذار عن التشبية و لتضحك معى ..

alynassef@yahoo.com

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC