التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > تحليلات ودراسات

دراسة حول :أهمية المدرجات الزراعية في تنمية الموارد الزراعية والمائية بإقليم المرتفعات اليمنية..منطقة يافع أنموذجا

2010/07/29 الساعة 21:51
د.فضل عبدا لله الربيعي

أهداف الدراسة:تهدف هذه الدراسة إلى معرفة أهمية المدرجات الزراعية في المرتفعات اليمنية  بصفة عامة ومنطقة يافع بصفة خاصة، وذلك من خلال معرفة الأتي:

1- الكشف عن عوامل إقامة المدرجات الزراعية وأهميتها في استقرارا لسكان في المناطق الجبلية .

2-   الكشف عن الأسباب التي أدت إلى تراجع نشاطها واندثارها.

3-   أبراز دور المدرجات الزراعية  في تنمية الموارد الزراعية والمائية.

4- اطلاع المنظمات الهيئات الدولية والمحلية ذات العلاقة بحالة هذه المدرجات وأهميتها في حياة واستقرار السكان بهدف قيام مشاريع للتنمية الريفية في هذه المناطق ذات الكثافة السكانية.

.أهمية الدراسة:

لم تحض المدرجات الزراعية على منحدرات الجبال في إقليم المرتفعات اليمنية بالاهتمام  في البحث والدراسة، رغم ما تمثله من أهمية حضارية واقتصادية في المجتمع اليمني  حيث يلحظ تراجع هذا النشاط بصورة ملموسة في الوقت الراهن بسبب عدم القدرة على الحفاظ على النظم التقليدية في الزراعة والري التقليدي، وعليه فان دراسة المدرجات الزراعية تشكل أهمية من حيث معرفة تلك الخصائص الطبيعية والاجتماعية التي كونت هذه المدرجات وما قدمته من فوائدة في توفير المحاصيل الزراعة التي ساعدت على الاستقرار الاجتماعي وبناء المستوطنات السكانية وتوفير فرص عمل في المجال الزراعي في الريف اليمني وإبراز أهميتها في تحقيق الأمن الغذائي والتخفيف من الفقر، والاطلاع عن تلك الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عدم الاهتمام في صيانة المدرجات والحفاظ عليها من الاندثار ، ومعرفة الخصائص الطبيعية لتربة المدرجات الزراعية على منحدرات الجبال والوديان،  كما تكمن أهمية الدراسة بأنها تشكل  نقطة انطلاق أوسع لمعرفة جميع الخصائص لهذه المدرجات والتربة التي كانت من الأسباب الرئيسة في الاستيطان البشري على منحدرات الجبال في الريف اليمني.

منطقة  الدراسة " الموقع والتسمية " :

تقع منطقة يافع في الجنوب الشرقي من اليمن وتتوزع المنطقة بين محافظتي لحج وأبين وتظم ثمان مديريات هي : يهر,لعبوس,ألمفلحي,الحد,(في محافظة لحج ). ومديريات جعار ,رصد، سباح ,سرار,(في محافظة أبين).

يحد منطقة يافع من الشمال محافظة البيضاء,ومن الغرب محافظة الضالع,ومن الشرق منطقة لودر في محافظة أبين,ومن الجنوب محافظة أبين وبحر العرب.

وهي واحدة من المناطق التي تقع في إقليم المرتفعات اليمنية .معظم أراضيها ذات سطح جبلي ([1])، تحدد موقعة وسماته الجبلية وترتفع السلسة الجبلية (والمعروفة بسرو حمير ) إلى ما يقارب (6500) قدم عن سطح البحر([2]) .

تبعد يافع عن صنعاء بحوالي 160كم في خط مستقيم وتقع على بعد 30كم شمال مدينة عدن ([3]) ويبلغ عدد السكان فيها حوالي 450الف نسمة. وتعود تسمية يافع إلى لفظ (اليافع) وهو من شارف الاحترام من الغلمان وهو دون المراهق. ذكر اسم يافع في كثير من كتب  التاريخ  القديم فهي اسم لإحدى  قبائل اليمن وبلدة في الشمال الشرقي من عدن([4])، وعرفها  الهمداني بأنها (سروحمير) والسرو( في اللهجة العربية الجنوبية القديمة ) تعني الهضبة ([5]) أما جواد علي في كتابة (تاريخ العرب قبل الإسلام) قال : بأنها نجد حمير وأشار إلى أنها المناطق التي يمر بها وادي بنا الذي يعتبر وادياً رئيسياً تتجمع فيه المياه من مرتفعات اليمن الوسطي ويشق مجراه في مناطق لحج أبين الجبلية والساحلية ([6]).

قيام المدرجات الزراعية :

اهتم الإنسان اليمني – مند القدم – بمعالجة البيئة الطبيعية محاولاً تسخيرها لخدمته، ومساعدته في توفير أجواء تساعده على التكيف والاستقرار في الحياة خصوصا في ظروف اليمن الذي لا توجد فيه الأنهار ، وتشير المصادر التاريخية إلى أن اليمنيين كانوا أول من اهتموا بالزراعة حيث أقاموا السدود والحواجز المائية لحجز مياه الإمطار والاستفادة منها في ري المحاصيل الزراعة، وشيدوا المدرجات الزراعية في سفوح الجبال والأودية ، كما قاموا في بناء وهندسة قنوات تصريف مياه الإمطار على الأراضي الزراعية بصورة دقيقة وعادله وكانوا على جانب كبير من الخبرة في مجال الزراعة كما شيدوا القلاع والحصون لحمايتهم من الكوارث الطبيعية وعوامل التعرية، كل ذلك مكنهم من الاستقرار وبناء الحضارات التي ما زالت إلى يومنا هذا  شاهدة على حضارة الإنسان اليمني في مواقع كثيرة  في ربوع الوطن اليمني  ومنها منطقة يافع – موضوع بحتنا هذا – التي تقع ضمن إقليم المرتفعات في اليمن، حيث سكنها الإنسان منذ القدم، وتأقلم مع بيئتها الطبيعية القاسية مثله مثل غيره في أي مكان أخر يتجاذب التأثير مع البيئة من حوله، وعمل على تسخيرها لخدمته.

 وتقع يافع في المرتفعات العليا في اليمن حيث يبلغ متوسط ارتفاعها عن سطح البحر بمقدار 920 -1520متراً في أوديتها، ومن 2000-2500مترعلى قمتها المرتفعة ([7])، وتعد من المناطق الأكبر وعورة وتشغل الجبال معظم مساحة هذه المنطقة  ولهذا نجد بان المساحة الزراعية في هذه المنطقة صغيرة جدا مقارنة بالمساحة الكلية حيث تبلغ المساحة الزراعية 244268فدان([8])، فهي بذلك تشكل نسبة (80%)من المساحة الصالحة للزراعة في المنطقة وبجهد الإنسان وباردة القوية استطاع في هذا المكان إن يستغل بيئة الطبيعية هذه والتكيف معها حيث قام بتشييد المدرجات ولها تسميات محلية عديدة مثل الحقفه الصلب، الجربة ([9])على منحدرات الجبال وسفوحها للحفاظ على التربة من الانجراف وخزن مياه الأمطار والاستفادة منها في النشاط الزراعي بعد إن استغل بطون الأودية وإقامة المدرجات عليها.

بيد إن هذه المدرجات في بطون الأودية تعد اكبر مساحة من تلك المدرجات الواقعة على منحدرات الجبال تشكل حوالي(88,6%)، من إجمالي المساحة المزروعة في المنطقة. وهذه المدرجات تبنى وترص بالحجارة بطريقة محكمة ومتداخلة تظهر واجهتها الأمامية بصورة متناسقة ([10]).

حيث كان الإنسان قد أقامها تحت دوافع الحاجة إلى الغذاء عند تزايد السكان اشتمل بناء المدرجات معظم الأماكن التي ممكن إن تقام فيها المدرجات في وصولا إلى أعالي الجبال الشاهقة, وبرغم صلابة صخورها ووعورتها وندرة التربة فيها إلا إن حاجة الإنسان لها كمورد زراعي ومائي بنفس الوقت فهي حواجز لحفظ التربية واستصلاح أراضي زراعية للقيام بالنشاط الزراعي فضلا عن كونها حواجز مائية .

وقد ظلت هذه المدرجات الزراعية بما تحويه من تربة خصبة صالحة للزراعة موارداً طبيعيا هاماً للإنسان في هذه المنطقة اعتمد عليها اعتماداً كلياً منذ  ان سكن فيها إلى وقت قريب جداً عندما تضاءلت تلك الموارد مع الارتفاع المتزايد لعدد  السكان، والاندفاع الكبير للشباب نحو الهجر من المنطقة  فضلا عن ما لحق بالمنطقة من جفاف خلال السنوات الماضية.

 خصائص المدرجات:

تتميز المنطقة بمنحدرات شديدة تتراوح نسبتها ( 35- 75% ) ([11])، حيت أقام الإنسان  المدرجات على منحدرات الجبال والخوانق الموجودة في تلك الجبال بمدرجات ذات مساحات ضيقة جداً ويحتوي الفدان الواحد على 300مدرج تقريبا([12]). أي إن مساحة المدرج الواحد تبلغ حوالي 14م2 كحد متوسط. وهذه المدرجات تختلف عن باقي المدرجات في المناطق اليمنية الأخرى التي تتواجد على سفوح هضاب واسعة كما هو الحال في محافظة أب وذمار وصنعاء والحديدة مثلاً ، فالمدرجات في يافع تشيد بمحاذاة الوديان وصدور الجبال ، تبنى من مادة الحجارة المستخرجة من نفس الطبيعة بطريقة محكمة تحتضن تربة المدرج وتحميه من التداعي بسبب الانحدار الشديد الذي يصل إلى 75% ([13])، وكذالك حمايته من سيول الأمطار الغزيرة .

 وقد استمر الإنسان في منطقة يافع خلال العصور السابقة في المحافظة على هذه المدرجات والاستمرار في تشييدها وترميمها كلما تعرضت للجرف من مياه الأمطار، وعادة ما تتأثر هذه المدرجات بالأمطار الموسمية بسبب ذلك الانحدار الشديد الذي يؤدي إلى قوة دفع مياه الأمطار، حيث يبلغ المعدل السنوي للأمطار في منطقة يافع 261,9 -429,9ملم، أما في السنوات الممطرة قد يصل إلى أكثر من500 ملم([14]).

نظم الري التقليدي

 اهتم الإنسان  بالموارد المائية حيث أقام القنوات الخاصة بتصريف مياه الأمطار على المدرجات الزراعية ، مراعيا في ذلك حاجت تلك المدرجات ومدى تحملها لكمية المياه بحيث لا تؤدي إلى انهيارها او أتلاف المحصول فيها ، ولهذا فقد اوجد  نظم خاصة في الري إذ عمل على بناء القنوات التصريفية للمياه والتي تتجمع من الأمطار وتوزيعها على الأراضي الزراعية وتسمى هذه القنوات بالسواقي والاعبار والمشاعب والمسافح وغيرها وتختلف وظائفهما تبعا لاختلاف مواقعهم المكانية وكمية الأمطار ، حيث توجد السواقي عادة في منحدرات الجبال وداخل الأراضي الزراعية أما الاعبار فتوجد في بطون الأودية وتتفاوت إبعادهما من حيث مساحة الطول والعمق فالاعبار اكبر من السواقي كما توجد المشاعب داخل المدرجات ومفترقات تصريف المياه والتي يتم عبرها توزيع المياه التي تصل إليها عبر الاعبار والسواقي باتجاهات مختلفة داخل قطع الأرض والمدرجات حيث تتضمن توزيع المياه على جوانب مختلفة من الأراضي فضلا عن وجود ما يسمى بالمسافح في كل مدرج تقريبا والتي تسمح بمرور الماء الفائض عن الحاجة وتصريفه إلى ما دونه .

وقد توارث الناس هذا النظام منذ القدم أبا عن جد ليخدم التوزيع العادل للمياه بين الحيازات الزراعية للسكان ، ولا سيما تلك الأراضي البعيدة عن تجمعات مصارف المياه . ويعتبر هذا النظام المرجعية عند وجود أية خلافات أو منازعات بين الناس حول ذلك .

ولأهمية تنظيم السقي للزرع ، يتم اختار رجالاً من الخبرة لتنظيم توزيع المياه، وفقاً للنسب المقررة وتوزيعها بالعدل والأنصاف بحث لا يتجاوز الشخص حقه من كميه الماء المقررة له  وبحسب كمية منسوب المياه في المرة الواحدة ، والشخص المشرف على تقسيم الماء هو المسول عن وقوع أي تعد على حقوق أصحاب المزارع في استحقاقهم ([15])، ويشمل ذلك المياه التي تتجمع على أسطح المنازل والمباني وحظائر الحيوانات، يتم تصريفها إلى الأراضي الزراعية المجاورة لها، وفقاً لمنسوب هذه المياه وانحدارها، حتى وان كانت هذه الأراضي لأتتبع صاحب المسكن، وليس من حقه الاعتراض على ذلك.

وفي حالات وجود كثر من منسوب للمياه، إلى ارض معينه ( في الوقت الذي قد توجد بجوارها مثلاً ارض ليست لها منسوب للمياه) فانه يتم في هذه الحالة تحويل كمية من المياه ومنسوبها من الأولى إلى الثانية حسب ما تقتضيه الحاجة . وقد ساد نظام الري هذا في جميع مناطق يافع  المتناثرة في سفوح الجبال والوديان بصوره ثابتة منذ القدم والى يومنا هذا، وصار متعارفاً علية في الأعراف والتقاليد المتوارثة. ولما كان الماء روح الزرع والحياة، صار سبباً في وقوع النزاع والقتال بين أصحاب الأرض بسبب التجاوز والتطاول في استعماله وسرقة حصص الآخرين ([16])، ولهذا فقد كان الالتزام والتقيد بنظم توزيع الري التقليدية مخففاً إلى حد كبير من وجود الخلافات والنزاعات التي تنشا عادتًا عند تصريف مياه الأمطار فقد قلل من حالات الاستحواذ والطمع عند البعض، وتم التقيد في توزيعها بصوره عادلة بحسب حجم الحيازة ، وقربها من مصادر التصريف " الأول بالأول".

وتجدر الإشارة هنا إلى إن الأراضي الزراعية تصنف إلى نوعين : الأراضي المسنا "المروية" والأراضي العتر " البعلية "([17]) .

عوامل قيام المدرجات الزراعية:

كما اشرنا سلفاً عن أهمية قيام تلك المدرجات في حياة المجتمع في هذه المنطقة ، فان هناك عدة عوامل قد ساعد على قيام المدرجات الزراعية التي تجمع بين العوامل الطبيعية والعوامل الاجتماعية معاً.

العوامل الطبيعية الاجتماعية:

يظهر اثر العوامل الطبيعية في قيام هذه المدرجات بشكل واضح ، حيت إن مظاهر السطح في هذه المنطقة كالوعورة ولانحدارات الشديدة كانت دافعاً للتفكير في إنشاء المدرجات الزراعية، أما  للحفاظ على التربة الخصبة للزراعة خصوصية التربة (طميه طينية رملية) فالطفال الرملي فيها 2,8- 7,8bh  / 1,7- 0,5 ec([18  ]) ، كما هو الحال في إقليم المرتفعات اليمنية الصالحة للزراعة المتنوعة، فضلاً عن الغطاء ألنباتي الذي بغطي سطح هذه المنطقة هو الأخر كان قد ساعد على الحفاظ على التربة وخصوبتها الوافرة ويتكون هذا الغطا النباتي من أشجار "شجيرات، أعشاب ، حشائش" وهو غني بالأصول الوراثية النباتية البرية حيث توجد أكثر من 600نوع من النباتات ([19]).

بيد ان وجود الصخور الصلبة وتوفر الحجارة كانت من العوامل التي ساعدت على بناء وتشيد المدرجات وحفظ التربة وتماسكها لاسيما وان الطبيعة الجغرافية لا تساعد على قيام المدرجات الزراعية المسطحة دون بنائها بالحجارة فضلاً عن تنوع المناخ في المنطقة قد ساعد على تنوع المحاصيل الزراعية فيها مما دفع بالإنسان نحو الاهتمام في بناء المدرجات الزراعية .

العوامل البشرية :

لم تكن العوامل الطبيعية وحدها التي قادت إلى قيام  المدرجات إذا ما فهمنا إن العامل الرئيسي يتمثل في نشاط الإنسان وقدرته على تسخير الطبيعة لمصلحته،  لذا نجد إن العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تمثل محور النشاط الإنساني في معالجة العوامل الطبيعية والاستفادة منها في النشاط الزراعي القائم على مساحات تلك المدرجات، حيث تعتبر الزراعة في هذه المنطقة هي النشاط الاقتصادي الأساسي للسكان بحكم انعدام فرص الأنشطة الاقتصادية الأخرى في المنطقة خصوصاً في الماضي ، أما في الوقت الرهن فقد تراجعت الزراعة  حيث أصحبت تغطي إلا نسبه ضئيلة جداً من احتياجات السكان بحكم ما شهدته المنطقة من تحولات اجتماعية واقتصادية فضلا عن زيادة السكان.

إن الحصار الذي فرضته ظروف الوضع القبلي والسياسة الاستعمارية – في الماضي –. بعزل منطقة ( يافع )، كان قد دفع بالسكان بالتوجه للعمل في النشاط الزراعي  من خلال الاهتمام في صيانة وتجديد المدرجات وزراعة  المحاصيل  المختلفة كالحبوب بدرجة رئيسية وبعض أنوع الخضار والفواكه والأعلاف دون غيرها من الأنشطة الأخرى التي تفتقر إليها المنطقة، بحكم الوضع القبلي ، الأمر الذي ساعد على استمرار  وتراكم المهارات المهنية في الزراعة والإلمام في تواقيتها  والعمل على اعادة بناء المدرجات عقب كوارث السيول والأمطار الغزيرة التي تؤدي الى الاضرار بها. على عكس ما هو في الوقت الحاضر حيث نلحظ تراجعاً كبيرا في صيانة وإعادة بناء هذه المدرجات وبالتالي تدني العمل في الزراعة وتراجع أهمية تلك المدرجات في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار السكاني في هذه المنطقة ليس ذلك فحسب بل إن الحفاظ على المدرجات هو الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئة الريفية.

الأسباب والعوامل التي أدت تدهور المدرجات الزراعية

سنحاول التعرف على ابرز تلك الأسباب والعوامل التي أدت إلى اندثار هذه المدرجات الزراعية وعدم الاهتمام في صيانتها والتراجع عن إعادة بنائها حيث تتداخل جملة من الأسباب والعوامل المختلفة  التي تؤدي إلى ذلك وسوف نشير إلى أهمها هنا في الأتي :

الأمطار الفجائية الغزيرة :

من المعروف إن إمطار هذا الإقليم موسمية تسقط في فصل الصيف والخريف نتيجة لهبوب الرياح الجنوبية الغربية على اليمن ولكن هذه الأمطار متذبذبة من عام إلى أخر ، فنجد إن غزارة الأمطار تسقط بشكل فجائي في بعض السنوات مما يؤدي إلى جرف التربة وتدمير المدرجات الزراعية كما حدث في الأعوام 1982م، وفي عام 1989م العام 1992م . والذي بلغ معدلها 629,9ملم ([20]) وقد كانت الأولى من اشد الكوارث التي لازالت أثارها إلى يومنا هذا ، حيث لم تقدم المساعدات التي ممكن إن تخفف من هذه الكوارث وتحفز  الفلاح على أعادة ما دمر.

أتلاف النبات الطبيعي:

نتيجة للتزايد السكاني في المنطقة حيث تشير البيانات إلى ان السكان قد تضاعف ثلاث مرات خلال العقود  الثلاثة  الماضية من القرن العشرين إذ تم زحف العمران السكني على الأراضي الزراعيةً فضلاً عن التوسع في الرعي في بعض المناطق قد أدى ذلك إلى تدمير الغطاء النباتي وأصبح الغطاء النباتي شحيحاً مما أدى إلى تفكك التربة وانجرافها مع مياه  الإمطار وتدهور المدرجات الزراعية.

نشاطات بشرية متنوعة :

من العوامل الرئيسية التي أدت إلى اندثار المدرجات وتدهور الزراعة هو ما يتعلق في الأنشطة الاجتماعية المختلفة مثل شق الطرقات واستخراج الأحجار لاستخدامها في البناء العمراني في منطقة إذ أدى ذلك إلى تفكك التربة مما مهد لجرفها بواسطة مياه الإمطار والسيول وما أحثته من تغير في أنظمة الري التقليدي والمشار إليها في مقدمة هذا البحث وخلخلة التربة ومساقيها كما إن شق الطرقات واستخدام الآلات والمعدات الثقيلة في هذه الأعمال مثل البلوزرات وإعمال التفجيرات في الصخور عند استخراج الأحجار في إعمال البناء العمراني قد اثر على تسرب المياه الجوفية من ممراتها في باطن الأرض والإضرار بالمدرجات.

اثر الهجرة على النشاط الزراعي :

لم يعد الإنسان في هذه المنطقة كما كان علية في السابق يهتم بالنشاط الزراعي وبناء هذه المدرجات والحفاظ عليها كاسلافة وذلك يرجع لعدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية مثل انفتاحه للعمل خارج المنطقة كما هو الحال في اندفاعه الكبير نحو الهجرة إلى الخارج وتعتبر يافع منطقة طرد سكاني حيث اتجهت إعداد كبيرة من الشباب للهجرة وهي اليوم تمثل المصدر الرئيسي في اعتماد السكاني على مواردها. وتعد هجرة الشباب الواسعة من منطقة خارج حدود الدولة هي اكبر مظاهر التغير الاجتماعي التي تعيشه المنطقة وقد أثرت بصورة مباشرة على الجانب الزراعي وانخفاض الإنتاج الزراعي  وتدهور المدرجات ، اذ تشير الدراسات والبحوث العلمية التي أقيمت عن الهجرة اليمنية إلى تأثيرات الهجرة اليمنية على الإنتاج الزراعي في الريف والذي  أدت إلى انهيار الأنظمة الزراعية التقليدية لاسيما وان إعداد كبيرة من المهاجرين ينتمون إلى أصول فلاحية ريفية عملها قبل الهجرة في الزراعة وقد أدت هجرتهم إلى انخفاض المساحة للأراضي الزراعية في الريف([21])، وتعد يافع واحدة من المناطق الريفية التي هاجر أبنائها  للعمل في الخارج ويقول حمود ألعودي ان وجود فرص عمل في الخارج قد  كرس القطيعة مع مصادر تطور الإنتاج الوطني  وفي مقدمتها الزراعة([22])، ويستمر ذلك الأثر الذي تتركه الهجرة على الزراعة حتى  بعد عودة المهاجرين إلى الوطن فغياب هؤلاء وانقطاعهم عن الأرض لمدة من الزمن فإنهم يجدون صعوبة  التكيف إذا ما أرادوا العودة لمهنهم السابقة المتعلقة بالنشاط الزراعي ولا يحبذون العودة إلى مناطق نشأتهم أو مهنهم الأولى([23])، هذا من جانب ومن جانب أخر. ان دخول التعليم قد ساعد على اندفاع أعداد كبير من الشباب نحو التعليم والعمل في مهنة أخرى انعكس ذلك سلبا على النشاط الزراعي.

اذ وهنت عرى الارتباط بالأرض كما كان علية الإنسان في السابق الذي يعطي جل وقته وجهده في العمل في صيانة هذه المدرجات والاهتمام المتزايد بها والذي يبدأ من الفترة التي تسبق هطول الإمطار في مواسم الشتاء حيث يقوم بتهيئة الأرض وحراثها وتفقد مساحتها وإصلاح ما هو بحاجة إلى إصلاح كي لا تؤثر كمية هطول الإمطار على تلك المدرجات كما يقول المثل الشعبي اليافعي: (من سبر في الشمس سقى في المطر) وهذا يعني إن الفلاح وجب علية الاهتمام في أعداد مساقي المياه وإيصالها للمدرجات الزراعية وإصلاح الأرض قبل هطول الأمطار حتى تستعد لاستقبال الأمطار الغزيرة في الصيف والتي تتلاشى أضرارها نتيجة للجهد المبذول في الصيانة والإعداد الكامل للأرض وتمهيدها للبذر.

ومن العوامل التي أدت إلى تدهور وتقليص المدرجات الزراعية هو استخدام أجراء من هذه المدرجات كمساحات للقيام ببناء المساكن عليها بحكم قلة المساحات الصالحة للبناء حيث اتجه الإنسان في بناء المساكن في قاع الوديان والهضاب بدلاً من بقائه في قمم الجبال كما كانت علية حكمة القدماء الذين كانوا يحرصون على بقاء هذه الأرض للزراعة حيث إن توفر عامل المواصلات ووصول الطرقات إلى الوديان بسهولة قد دفع الإنسان للانتقال إلى قرب هذه المواصلات.

لم تعد المدرجات الزراعية تغطي حاجيات السكان المتزايدة  من المحاصيل الزراعية أو فرص العمل، فضلا عن إن توافر المواد المستوردة من الحبوب وسعرها المنخفض بالمقارنة مع كمية الجهد والخسائر المبذولة في العمل الزراعي ( المكلفة ) قد أدى هو الأخر إلى إهمال النشاط الزراعي والتراجع عن بناء وإعادة ترميم ما اندثر من المدرجات الزراعية.

الاستخلاص :

من خلال ما تم تناوله في هذه الدراسة فقد توصلنا إلى الاستنتاجات الآتية :

عدم الاهتمام من قبل وزارة الزراعة والمؤسسات ذات العلاقة  بهذه المدرجات وغياب مؤسسات البحث عن تناول أهمية هذه المدرجات في تنمية الموارد الزراعية، لاسيما إذا نظرنا إلى أهم محصول زراعي في المنطقة هو البن حيث تعتبر من أشهر المناطق اليمنية التي عرفت بزراعة البن الأمر الذي انعكس على فقدان الإرشاد والتطوير للنشاط الزراعي لهذا المحصول النقدي وإهمال المدرجات الزراعية التي يمكن إن تلعب دورا في تنمية الموارد وخلق تنمية مستدامة، واستقرار السكان, وعليه نقترح الأتي:

1.  إن تولي وزارة الزراعة والموارد المائية والموسوسات البحثية والعلمية اهتمام بالمدرجات الزراعية بوصفها أحدى الموارد الهامة في الريف اليمني وبما يؤدي إلى الاستفادة منها في تطوير الزراعة وتنوع المحاصيل الزراعية. وتعمل على إنشاء وحدة للإرشاد والتطوير الزراعي في منطقة الدراسة  بحكم بعدها عن مراكز الأبحاث والإرشاد.

2.  تقديم الدعم  لقيام المدرجات والحواجز المائية ليتمكن الفلاح  من الاستقرار الاجتماعي والتوجه نحو النشاط الزراعي وتطويره .

3.  .اطلاع المؤسسات والهيئات الإقليمية والدولية النشطة في دعم التنمية الريفية بأهمية المدرجات الزراعية وما هي علية  الوقت  الحاضر وبظروف وواقع المنطقة ودعوتها إلى دعم مشاريع التنمية فيها وعلى وجه الخصوص المشاريع الزراعية والحفاظ على المدرجات الزراعية بوصفها احد مظاهر الحضارة الإنسانية التي تفتخر بها بلادنا، فضلاً عن كونها منطقة تحوي على مخزون  من الآثار التاريخية المختلفة والمناظر الطبيعية الخلابة ذات الطابع الريفي المتميز حيث يمكن إن تشكل منطقة جذب سياحي ومحميات طبيعية .

 

 [1].د .حسن بن علي الويس، اليمن الكبرى، مطبعة النهضة العربية ، القاهرة، 1962م، ص13.

[2] . اف .ال.بلايفيز، تاريخ العربية السعيدة ، ترجمة سعيد عبد الخير النوبان ، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 1999مص47.

[3] . مندعي ديان ،وسالم عبدربه ،جبهة الاصلاح اليافعية .. نظرة في النظام القبلي، ط1، اليمن صنعاء ، 1992م، ص16.

[4] . معجم أسماء العرب ، مطبوعات جامعة السلطان قابوس ، المجلد الثاني ، عمان ، 1889م، ص402.

[5] Bazaar M.A 1996 vegetation surey of wadi yahar at yaffadistrict in lahe gpvernovate El-Kod Agivs.Res, station ,dravfun- publish .

[6] . محمد ناصر العولقي، ابين حقائق وأرقام ، مطبوعات دار جامعة عدن للطباعة والنشر ، 2000م،ص99.

[7] . 4-Rebulic of yemen , Natural resource management workshop,eghpt cario, may 4-8 , 1997: 10 pp :Rashed Y I(1996) : Dsayland resource management in utenern highland of yemen , brief account Wadi Yahar –Yaffa-workshop , 29, guneg I 1998 Sana,a Rebublic of yemen.

[8] . حميد عبد المجيد ثابت وصالح سالم صقران 1996م، تفريغ وتحليل البيانات من استمارة استبيان لدراسة وادي يهر "دليل وحدات القياس المستخدمة " الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي ـ، ذمار ، الجمهورية اليمنية.

[9] . الحقف /جمع حقفة ، والأصلاب جمع صلب ، للدلالة على صلابة الأرض ، وهم مفردات تستخدم لتسمية المدرجات الزراعية الصغيرة المشيدة على ظهر الوديان والجبال.، والجر به هي اكبر من الحقفه والصلب وجمعها جرب وهي الأرض المسطحة في قاع الوديان والهضاب وتسمى بلغة أهل أبين ولحج مطيرة ..

[10] . يطلق على الجزء المحاذي للجدران في المدرج الواجهة الأمامية " الودن" أما الجزء الأخر في الداخل والمسند إلى ظهر الجبل فيطلق عليه " الدور".

[11] . Ahmed .A.F (1997) :droght and fwood condition induction of soal degraduon in Wadi Yahar area

[12] . المصطلحات الزراعية في اليمن،  مجلة الاكليل ، ، العدد الأول ، السنة السادسة ، 1988م، ص 46.

 

[13] . المصطلحات الزراعية ، المصدر السابق.

[14] . معلومات حصل عليها الباحث من مكتب الزراعة والموارد المائية محافظة أبين .

[15] . المصطلحات الزراعية ، مجلة الإكليل ، المصدر السابق.

[16] . المصدر نفسه.

[17] . الأراضي المستاء هي الأراضي التي تروى أو تسقى من المياه الجوفية كمياه الآبار أو الغول " الينابيع" وهي الأراضي المروية دائمة الاخضرار ، أما الأراضي العتر  فهي تلك الأراضي البعلية التي تعتمد على مياه الأمطار الموسمية

[18] معلومات حصل عليها الباحث من مكتب الزراعة محافظة لحج.

[19] . المصدر السابق.

[20]  . المصدر السابق

[21] . د. احمد القصير الهجرة اليمنية ، مكتبة مدبولي ، مصر، 1984م،ص126

[22] . د. حمود العودي ،المغتربون اليمنيون والتعامل الزراعي ، أعمال ندوة المغتربون في اليمن ، صنعا ، 1999م ص92

[23] . د. فضل الربيعي ، الهجرة والتغير لاجتماعي، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع ..غير منشورة، جامعة بغداد 2004م، ص142.

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC