هل تستنجد أوروبا بتاريخها المسيحي العنيف لبناء هويتها القارية الاتحادية الجديدة؟
السؤال، لوهلة، قد يبدو غريباً . فحتى السنوات القليلة الماضية، كانت الاستطلاعات والمؤشرات تدل على أن المسيحية تهاوت في القارة العجوز، وأن صولجان وعرش بطرس انتقلا إلى الولايات المتحدة بصفتها الدولة المسيحية الأولى في العالم .
فقد صدّرت إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر الحركة البيوريتانية (التطهرية) المسيحية إلى أمريكا، وانحازت هي إلى العلمانية الصارمة، هذا في حين كان الثوريون الفرنسيون في أواخر القرن الثامن عشر يجوبون شوارع باريس وبعض المدن ويطالبون بهدم الكنائس، ويهتفون أحياناً حتى ضد العناية الإلهية . أما في ألمانيا، فقد كانت البروتستانتية الكالفينية والقومية الرومانسية تساويان بين البابا والكنيسة الكاثوليكية، وبين “العدوّين اليهودي والإسلامي” .
ثم، وفوق هذا وذاك، كان الأوروبيون يحددون بداية العصور الحديثة التي شهدت نهضتهم الصناعية والعلمية والثقافية بنهاية العصور الوسطى التي سيطرت عليها الكنيسة والمسيحية، فرسموا بذلك خطاً على الرمال بين التقدم العلماني والتأخر الكنسي .
هذا التاريخ الحافل يجعل من احتمال استخدام المسيحية كأساس للهوية الأوروبية أمراً مثيراً للاستغراب: إذ كيف يمكن لتراث تاريخي سلبي من هذا النوع، وملوّث بدماء ملايين المسيحيين، (حروب الكاثوليك والبروتستانت وفظائع القرون الوسطى)، والمسلمين (الحروب الصليبية) أن يصبح قاعدة هوية “حضارية” جديدة تكون بمثابة “نور بين الأمم”؟
هذه المسألة مثار جدل عميق بين الساسة والمفكرين الأوروبيين . ففي معسكر يقف العلمانيون واليساريون الذين يريدون الاتحاد الأوروبي تجسيداً لقيم عصر التنوير الإنسانوية والعقلانية والديمقراطية . وفي معسكر مقابل تقف الأحزاب اليمينية والكنائس التي تضغط بقوة من أجل تحويل الاتحاد إلى كيان مسيحي مُغلق على الأوروبيين المسيحيين (نظرية القلعة) .
نقطة تركيز هذا المعسكر الأخير تنصب على تركيا، كمدخل للمطالبة ب”مسيحة” الاتحاد . فهم يرفضون رفضاً قاطعاً انضمامها إلى الأسرة الأوروبية الموحّدة لأنها ستضم قريباً 100 مليون مسلم .
هذا، على سبيل المثال، هو رأي نيكولا ساركوزي وقبله هيلموت كول، اللذين يعتبران أن انضمام تركيا الإسلامية إلى الاتحاد الأوروبي سيعني نهاية هذا الأخير ثقافياً واستراتيجياً، وحتى وجودياً .
وهذا بالطبع رأي بابا الفاتيكان، الذي يتضح الآن لماذا تعمّد فتح النار التاريخية على الإسلام، عبر الحوار بين الإمبراطور البيزنطي وبين المفكر الفارسي في القرن الثالث عشر، والذي ينشط بقوة هذه الأيام لفرض الأجندة المسيحية (وإن المنفتحة لاهوتياً على القيم العقلانية والهيلينية) على المشروع الأوروبي .
من سينجح في هذا السجال؟
إذا ماقيّض لليورو البقاء ولمؤسسات الاتحاد الأوروبي التطور بدل الانهيار تحت وطاة أزمة الديون الراهنة، ستكون ثمة حاجة بالفعل لاختراع هوية أوروبية جديدة قادرة على إشعال حماسة الأوروبيين كي يكونوا أوروبيين . وهنا ستطل المسيحية الثقافية، لا الإيمانية، برأسها لتوفير هذه الحماسة . بيد أن هذا لن يكون ممكناً من دون اختراع عدو، كما حدث في القرن الثاني عشر .
هذا لن يعني أن الأوروبيين سيجردون حملات عسكرية صليبية جديدة . لكنه مع ذلك سيعني رسم حدود حرب حضارات باردة جديدة بين أوروبا والشرق الإسلامي .
والصلبان المنتشرة على صدور السياح الأوروبيين في قبرص (كما أشرنا أمس الأول)، قد يكون تعبيراً عن أن هذه الواقعة الجديدة باتت أكثر من مُحتملة .
saad-mehio@hotmail .com
"الخليج"