التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > قضايا عربية ودولية

أوباما تحت الحصار

2010/07/28 الساعة 09:49
عاطف الغمري

المؤرخ الأمريكي ريتشارد هوفستاد، له عبارة ترددت كثيراً في مؤلفات ودراسات أمريكية تقول: إن أمريكا لا تحتاج لأن تتخذ لنفسها عقيدة Ideology، فأمريكا في حد ذاتها هي عقيدة .

وهو يعني أن القيم والأفكار والنظريات والسياسات والتقاليد التي تحكم المجتمع الأمريكي، هي قواعد راسخة لا يصح أن تتغير، ويلزم أن يستلهم منها العالم أنظمته وقيمه .

هذا الرأي ضارب في عمق المجتمع الأمريكي، وتحمل راية الدفاع عنه قوى وتيارات ومؤسسات مقتنعة بأن أمريكا لا يمكن أن تكون على خلاف ما هي عليه القوة العظمى صاحبة الهيمنة التي تقود العالم، وتشكل نظامه الدولي، وأوضاعه، وعلاقاته .

من هنا كان المأزق الذي لقي أوباما نفسه فيه، وألقي به في وضع يفت في عضد قدرته على الحسم في قراراته، ويبطئ من إيقاع حركته .

وللمأزق جانبان، ففي ناحية منه نشطت في السنوات القليلة الماضية حركة ضمت قوى وتيارات لا تقل قوة وتأثيراً عن أصحاب مقولة إن أمريكا هي العقيدة التي لا يسمح بالخروج عليها، وتبنت هذه القوى الدعوة للتغيير، بدافع من فهمها وإدراكها أن العالم يتغير، وأن عدم ملاحقة طبيعة العصر يعرض أمريكا لمخاطر تهدد مصالحها الحيوية وأمنها القومي، لأنها تضع نفسها في صدام مع تحولات تاريخية، هي في حقيقتها أشبه بأعاصير جارفة .

وهذه الحركة المجتمعية التي ضمت النخبة وقطاعات هائلة من الرأي العام، سبقت ظهور أوباما بثلاث سنوات، وهي التي حملته إلى البيت الأبيض في خروج على المواصفات التقليدية المستقرة لمن يكون رئيساً .

ومن ثم لم يكن قيامه برفع شعار التغيير اختراعاً من عندياته، لكنه تعبير عن واقع أصبح موجوداً ومنتشراً في الولايات المتحدة .

هذه القوى اقتنعت بأن نجاح أمريكا في مواجهة التحديات في السنوات المقبلة، لن يتحقق إلا بإقناع الدول الصاعدة، كالصين، والهند، والبرازيل، ودول أخرى غيرها، بأن أهداف السياسة الأمريكية لا تتناقض مع مصالح هذه الدول، بل تخدمها .

وضمن هذه التحديات منع امتلاك إيران القنبلة النووية، واستقرار النظام المالي العالمي، واحتواء أضرار تغير المناخ، وإدارة الأزمات الإقليمية، وتفادي تأثيرات الدول الفاشلة على أمن وسلامة المجتمع الدولي بشكل عام .

كان هذا الاقتناع قد أخذ يترسخ بين النخبة ومراكز صناعة قرار السياسة الخارجية إلى أن استقر كعقيدة سياسية لدى أعلى مستويات مؤسسات الدولة، ومنها المجلس القومي للمخابرات الأمريكية الذي أعلن في تقريره المنشور في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع وحدها مواجهة التحديات لأمنها القومي، أو أن تحل منفردة المشكلات والأزمات الإقليمية والدولية، وأنها أصبحت تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها .

لقد ظهرت حساسية المأزق الذي وجد أوباما نفسه فيه، وكأنه يمشي على حبل مشدود، طرفه في يد المؤمنين بأن أمريكا عقيدة، والطرف الثاني يتمسك به دعاة التغيير، ما أدى إلى بروز هذه الظواهر:

 المجموعة الأولى لا تزال تتمسك بقوة بأن أكثر ما يخدم مصالح أمريكا أن يخافها الآخرون، عن أن يحبوها، وهم يعيبون على أوباما التخلي عن التشدد في الموقف من إيران وكوريا الشمالية .

 أن مؤيدي أوباما يأخذون عليه عدم الحسم والتباطؤ في اتخاذ القرار حتى إن بعضهم وصفه بأنه بذلك قد أغضب الأصدقاء، وأرضى الأعداء، خاصة أن مؤيديه توقعوا عند توليه إيقاعاً أسرع وأقوى للتغيير .

ما ظهر من عدم الارتياح بين عدد من خبراء الشرق الأوسط، ومنهم من تولى في عهود رؤساء سابقين، مهام إدارة ملف المفاوضات بين “إسرائيل” والفلسطينيين، ووضعوا على مكتب أوباما من أول يوم آراء مكتوبة، تطالبه بدور حاسم وقاطع في حل هذا النزاع، ومنهم من أرجع فشل الإدارات الأمريكية السابقة إلى عدم الحسم، وإغماض العين عن تجاوزات حكومات “إسرائيل”، وربطوا ذلك بتأثيره الضار على الأمن القومي للولايات المتحدة، ومن أبرز هذه الآراء المشروع التفصيلي من 17 ورقة الذي وقعه عشرة من هؤلاء الخبراء، على رأسهم برنت سكوكرفت مستشار الأمن القومي للرئيس بوش الأب .

 أن البعض أرجع جانباً مهماً من أسباب تردد وتباطؤ سياسات أوباما إلى ضغوط الجمهوريين اليومية عليه، وحملاتهم المنظمة ضده، وإلى رغبة أوباما في تجنب صدام معهم ومع القوى اليهودية، حتى يضمن الفوز بولاية ثانية، في ظل تراجع نسبة التأييد له، في استطلاعات الرأي العام .

 ومن مظاهر التناقض أيضاً التي سجلت عليه ميل أوباما إلى الابتعاد عن سياسة الحكومة السابقة، بالضغط على الأنظمة التي لا تطبق الديمقراطية، بينما كان أوباما من دعاة هذه السياسة التي تأصلت لدى الرأي العام والكونغرس، انطلاقاً من الاعتقاد بأن غياب الديمقراطية في هذه الدول يمس الأمن القومي الأمريكي، وبعد أن تحولت هذه الفكرة إلى مبدأ انتشر بين الرأي العام، وأخذوا به في الكونجرس .

إن جذور مأزق أوباما ممتدة إلى ثقافة قومية، أرسيت ركائزها، منذ بداية القرن العشرين، والذي حمل اسم القرن الأمريكي ثم ترسخت قبل نحو خمسين عاماً، وتربت في ظلها أجيال وأجيال، تصلبت عقيدتها مثل صخرة تعترض سفينة التغيير التي حملت من يرون أن التغيير إنقاذ لأمريكا .

*ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

"الخليج"

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC