التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > تحليلات ودراسات

جدلية الإسلام والديمقراطية..هل تجاوزها الإسلاميون؟!

2010/07/19 الساعة 10:48
نبيل البكيري

شهد النصف الثاني من القرن الماضي جدلاً فكريا محتدماً في أوساط النخب العربية والإسلامية من إسلاميين وعلمانيين وليبراليين ويساريين وغيرهم حول إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية أربعة تيارات تعرضت لهذه المسألة الأول التيار حاول أن يُظهر أن في الإسلام ما يقابل ديمقراطية الغرب والتيار حاول أن يظهر نظرية الشورى في الإسلام مقابل الديمقراطية في الغرب، والثالث فقد شكك بالهجوم على ديمقراطية الغرب، والرابع رفض الديمقراطية واعتبرها فكرة لا تمت للإسلام بصلة على الرغم من هذا التباين والجدل المحتدم بين نخب المشهد الإسلامي وقف العلمانيون مفكرين ومثقفين عند جدلية أن الإسلام والديمقراطية ضدان لا يلتقيان يقول أحد قيادات التيار السلفي في مصر بأن الديمقراطية والثيوقراطية كلاهما مصطلح أوروبي النشأة والتكوين والتاريخ والدلالة ولا يعنينا أمرهما كمسلمين.

لا شك أن تطوراً فكريا وسياسياً كبيراً قد طرأ على مدى نصف قرن أو أكثر من الزمن على خارطة الأفكار والرؤى والتصورات لدى التيار الإسلامي، وهو ما نلاحظه جلياً من خلال وصول البعض منهم عن طريق الديمقراطية والانتخابات إلى سدة الحكم والسلطة كما هو الحال في فلسطين وتركيا.

لكن مثل هذه النتيجة لم تكن إلا بعد شوط طويل من الجدل المحتدم على مدى ثلثي القرن الماضي وحتى اليوم حول الديمقراطية والإسلام حدود الالتقاء ونقاط الاختلاف، وهو ما سنحاول من خلال هذه المقاربة أن نلقى نظرة عليه نستطيع من خلالها تبين مسيرة التطور الفكري للديمقراطية في المخيال الإسلامي أو «الإسلاموي» كما يحبذ كُتاب الحداثة أن ينعتوه.  

شهد النصف الثاني من القرن الماضي جدلاً فكريا محتدماً في أوساط النخب العربية والإسلامية من إسلاميين وعلمانيين وليبراليين ويساريين وغيرهم حول إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، لكن النقاش الأهم تركز بشكل أكبر في أوساط النخب الإسلامية قبل تبلور هذا المصطلح إلى الإسلاميين تالياً، إذ تصدر هذا النقاش عدد من كبار الأدباء والكتاب من أمثال المفكر المصري الراحل عباس محمود العقاد في كتابه «الديمقراطية في الإسلام» وتلاه كتاب للكاتب والمفكر المصري المثير خالد محمد خالد «الديمقراطية أبداً» الذي أصدر أول طبعة منه عام 1953م وما تلاه بعد ذلك من كُتب تركزت جلها في هذا المنحى.

رؤى وتباينات !

تباينت وجهات النظر حول الديمقراطية والإسلام بين أربعه تيارات أو مدارس فكرية بحسب الباحث زكي أحمد في كتابه “الديمقراطيات في الخطاب الإسلامي الحديث والمعاصر” الذي حاول فيه سبر أغوار الموقف العام لنخب المشهد الفكري العربي من الديمقراطية والذي توصل به إلى تباين هذا المشهد إلى أربعة تيارات رئيسية.

فالتيار الأول وهو الذي حاول أن يُظهر أن في الإسلام ما يقابل ديمقراطية الغرب، حيث يأتي كتاب المفكر عباس محمود العقاد “الديمقراطية في الإسلام” في طليعة هذه النخبة إذ جاء صدور كتاب المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي “حول الديمقراطية في الإسلام” في هذا الاتجاه حيث أكد فيه على الشورى ودلالاتها السياسية كبديل فكري وفلسفي لمفهوم الديمقراطية الغربية.

أما التيار الثاني فقد تمثل بتلك المدرسة التي حاولت أن تظهر نظرية الشورى في الإسلام مقابل الديمقراطية في الغرب، وأبرزها محاولة حسن الترابي في كتابه “نظرات في الفقه السياسي “ وكتاب عبد الحميد الأنصاري “الشورى وأثرها في الديمقراطية” وفي هذين الكتابين قدما صاحباهما مقاربات فكرية حاولا من خلالها أن يثبتا أن الشورى الإسلامية هي الديمقراطية الغربية أو أن الديمقراطية الغربية هي الشورى الإسلامية بعينها، مع بعض الاختلافات الشكلية البسيطة ولعل أبرز ما يمثل هذه المدرسة هم تيار الإخوان المسلمون بكل تفرعاته ومدارسه في العالم الإسلامي كالعدالة والتنمية في تركيا والحزب الإسلامي في ماليزيا وحزب الرئيس والمفكر الإسلامي البوسني الراحل على عزت بيجوفيش، مؤسس حزب العمل الديمقراطي. 

أما التيار أو المدرسة الثالثة فقد حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية الغرب، وأبرزها محاولة خالد محمد خالد في كتابه “الديمقراطية... أبداً “ والذي تحدث فيه عن كون الإسلام هو أول ديمقراطية في تاريخ البشرية وكتاب محمد قطب “مذاهب فكرية معاصرة”، وإن كان في هذا الأخير تمييز واضح بين الديمقراطية كمنظومة فكرية متكاملة وبينها والانتخابات كآلية إجرائية، حاول من خلاله الأستاذ محمد قطب الأخ الأكبر للمفكر الإسلامي المثير سيد قطب، أن يضع مقاربة فكرية بُني عليها الكثير من الفتاوى السياسية لأبرز رموز السلفية الوهابية كالشيخ عبد العزيز بن باز وبن عثيمين اللذين أفتيا بجواز خوض الانتخابات شريطة التفريق بين الانتخابات والديمقراطية من خلال قبول الأولى ونبذ الثانية.

أما التيار الرابع فهو المتمثل بتلك المدرسة التي رفضت الديمقراطية واعتبرتها فكرة لا تمت للإسلام بصلة، وأبرزها كتاب المفكر الشيعي كاظم الحائري “أساس الحكومة الإسلامية” وكتابات “حزب التحرير الإسلامي” الذي أسسه القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني عام 1953م ، و هذه الرؤيا هي ما تتبناه ما يُعرف بالسلفية الجهادية المعروفة اليوم بالقاعدة فضلا عن فصيل ما يُعرف بالسلفية الجامية ، نسبة للشيخ محمد أمان الجامي تلك النسخة السلفية التي تُقدس للنخب الحاكمة، ويمثلها اليوم في اليمن تيار الشيخ مقبل الوادعي وتلامذته، كمحمد الإمام والحجوري وفي السعوديه ربيع المدخلي وفالح الحربي وغيرهم. 

رؤية جامدة..ولكن؟

وعلى الرغم من هذا التباين والجدل المحتدم بين نخب المشهد الإسلامي وقف العلمانيون مفكرون ومثقفون عند جدلية أن الإسلام والديمقراطية ضدان لا يلتقيان والعجيب في الأمر هو أن هذا الرأي من قبل العلمانيين يحظى بتأييد شريحة كبيرة من الإسلاميين المتشددين الذين يرون الديمقراطية كفرًا؛ لأنها تجعل الحاكمية للشعب، في حين ينبغي أن تكون هذه الحاكمية لله.

وتبع هذين الطرفين العلماني والسلفي في رؤيتهم بأن الإسلام والديمقراطية ضدان لا يلتقيان طرف آخر هو قسم كبير من مستشرقي الغرب ومراكز الدراسات والأبحاث فيه التي تنطلق في أحكامها من توجهات غير معرفية بل سياسية بحته.. ورغم ذالك فقد ظهرت توجهات غربية معرفية موضوعية ومنصفة في تناولتها لقضية الديمقراطية والإسلام كالباحثين جون اسبوزيتو وزميله جيمس سكاتوري اللذين أعدا بحثاً مهما نشرا لهما تحت عنوان «الإسلام والديمقراطية» إذ ذكرا في البحث أن بعض الجماعات الإسلامية شجبت الأسلوب الغربي للديمقراطية ونظام الحكم الذي أدخله البريطانيون في بلدانهم وكان رد فعلهم السلبي هو في حقيقة الأمر تعبيراً عن رفض عام للنفوذ الاستعماري الأوروبي ودفاعاً عن الإسلام ضد زيادة الاعتماد على الغرب، بأكثر منه رفضاً إجمالياً للديمقراطية.

وهذه رؤية تقترب كثيراً من حقيقة الجدلية القائمة في أوساط النخب الفكرية والمثقفة في الساحة حول علاقة الإسلام بالديمقراطية، وحدود الالتقاء والاختلاف معها، وأن مظاهر عدم القابلية للديمقراطية في العالم العربي والإسلامي لا تعود بشكل رئيسي إلى ما يُقال عن أن « الإسلام مخاصم للديمقراطية ومحقر لها» بحسب الكاتب الأمريكي عموس برلموتر، بقدر مرد ذلك إلى تراكمات العداء التاريخي بين الغرب والعالم الإسلامي، وهو ما انعكس رفضاً لكل قادم من الغرب من الأفكار والمفاهيم. 

أين تكمن المشكلة؟

صحيح أن هناك بعض الإسلاميين يرى أن الإسلام له تصوره الخاص للحريات وأن هذا التصور أرقى من التصور الديمقراطي، بحيث يصير من قبيل ظلم الشريعة وإحباط تميزها أن نقول بأن الإسلام ديمقراطي، إلا أن هذا الفريق لا يذهب في القول إلى تعارض الإسلام مع الديمقراطية.. وتكمن الإشكالية في نظر المسلمين عموماً والإسلاميين خصوصاً هو فيما يقوله الأكاديمي الفلسطيني الدكتور عبد الستار قاسم أن «شريحة منهم ترى أن الإسلام وسّع نطاق الحقوق والحريات، لكنه جعل الحرية مسؤولة ومرتبطة بحدود الله وشرعته، وفصيل آخر من الإسلاميين قال: إنه لا قيد البتة في الإسلام على الحريات؛ لأن كل إنسان مطالب بعرض حججه، وتقديم بيناته وعلى كل مكلف أن يختار، حيث لا إجبار على عقيدة في الإسلام. 

وقريب من هذه الرؤيا حول علاقة الإسلام بالديمقراطية جاء رأي الشيخ محمد الغزالي في كتابه «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين» بقوله: «الديمقراطية ليست ديناً يوضع في صف الإسلام، وإنما هي تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، ننظر إليه لنطالع كيف توفرت الكرامة الفردية للمؤيد والمعارض على السواء، وكيف شيدت أسوار قانونية لمنع الفرد أن يطغى، ولتشجيع المخالف أن يقول بملء فمه: لا، إن الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا ودنيانا، فهل يحرم على ناشدي الخير للمسلمين أن يقتبسوا بعض الإجراءات التي فعلتها الأمم الأخرى لمّا بليت بمثل ما ابتلينا به. 

أما مكفرو الديمقراطية كالشيخ محمد سرور زين العابدين بن نايف مؤسس التيار السروري وعلي بالحاج نائب رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية المحظورة وغيرهم، فرغم تكفيرهم وتسفيههم للديمقراطية فإن بعضهم اليوم كالشيخ سرور يدعو أتباعه إلى القبول بالديمقراطية ولكن باعتبارها ـ شراً لا بد منه ـ ومارسها بعضهم بل خاضوا تجربتها كالشيخ على بلحاج الذي ترشح في انتخابات الجزائر الشهيرة عام 1992م والتي ألغيت حينها لاكتساحهم لها حيث خاضها الشيخ مع ما كان يكتبه من مقالات حينها تحت عنوان «الأدلة الجلية في كفر الملة الديمقراطية» وأعتقد أن هذا اتخذ بمثابة مبرر للإيعاز الغربي بإيقاف مسيرة الديمقراطية الجزائرية حينها والذي أصبح هاجساً مسيطراً على الخيار الأمني الغربي في تعامله مع الحركات الإسلامية حتى اليوم كما هو الحال بالنسبة لحماس الفلسطينية وغيرها من الحركات الإسلامية.

تجاوز.. ولكن ؟

ورغم تجاوز الإسلاميين اليوم للكثير من العقبات في طريق القبول بالديمقراطية إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الانقسام الكبير من قبل الإسلاميين حول علاقة الإسلام بالديمقراطية لم يُحسم بشكل تام حتى اللحظة مع أن الغالبية العظمى هم اليوم من المسلمين بالديمقراطية بل والناشطين في الدعوة إليها بعد أن سطروا كتباً ومقالات في نقدها والتحذير منها والرد على القائلين بها . . أوضح مثال على ذلك، هو القيادي المصري في التيار السلفي السروري جمال سلطان وكيل مؤسسي حزب الإصلاح المصري تحت التأسيس وناشر مجلة المنار الجديد، الذي كان من أكثر الكتاب نقدا للديمقراطية وخاصة في رده الشهير على فتوى الشيخ القرضاوي القائلة بالديمقراطية والذي نشره من على صفحات مجلة البيان اللندانية عام 1992م تحت عنوان حوار في الديمقراطية الذي قال فيه “إن الديمقراطية والثيوقراطية كلاهما مصطلح أوروبي النشأة والتكوين والتاريخ والدلالة ولا يعنينا أمرهما كمسلمين.. ورغم هذا فقد تحول نظر جمال سلطان للديمقراطية بعد ذلك كغيره من الإسلاميين من مدرسة الإخوان مرورا بعبد الرحمن عبد الخالق صاحب مدرسة السلفية السياسية أو العلمية كما تسمى في أوساط السلفيين، هذا عدا عن الشوط الكبير الذي كان قد قطعه الإخوان في هذا السياق.. ومن هنا نستطيع القول أن جزءاً كبيراً من التيار الإسلامي تجاوز كثيرا مشكلة الرؤيا الضيقة للديمقراطية كالتيار الإخواني بمدارسه المختلفة، لكن الإشكالية التي لا زالت تحوم حول قبول الإسلاميين للديمقراطية تكمن في مسألة الدولة المدنية وحدود تطبيقاتها المطلقه كمفهوم عام للحرية اللبرالية والحرية المحددة التي تقيدها ثوابت الدين بالضرورة في الإسلام هذا عدا عما بات يُطلق عليها في الكتابات الغربية عن الحركات الإسلامية بـ”ـالمناطق الرمادية” من قبيل حقوق المرآة وغير المسلم في تولى المناصب الكبرى في الدولة المسلمة أو ما تسمى فقهياً بالولايات العامة مع أن هذه الرؤى تنطلق في المخيال الغربي من تصور وسياق ثقافي مغايير ليس بالضرورة أن يوجد ما يماثله في النطاق الثقافي والاجتماعي في المجتمع المسلم.

ليبقى مع ذلك مفهوم الديمقراطية لدى الإسلاميين مقبولا في حدودها الإجرائية العامة التي لا تصادم معلوما من الدين بالضرورة و لا تعني بالضرورة أيضاً أن الديمقراطية لا يمكن الوصول إليها إلا من المدخل العلماني، شرط أساسي خاصة في ضوء تجارب ديمقراطية رائدة في المنطقة ـ باستثناء الديمقراطية التركية بنسختها الإردغانية الأخيرة ـ كالديمقراطية الإسرائيلية والإيرانية التي تعايش فيها الديني مع الدنيوي جنباً إلى جنب دون أن يُقال إن غياب أحدهما شرطاً لبقاء الآخر، وهو نفسه المتعارف عليه في أغلب صيغ الديمقراطية الغربية كالبريطانية والأمريكية.

"الجمهورية"

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC