التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > تحليلات ودراسات

قراءة في تطورات الملف النووي الإيراني

2010/07/15 الساعة 17:30
يوسف مكي

نحاول في هذا الحديث، وأحاديث أخرى قادمة، أن نقدم بقدر ما تتيحه المساحة، قراءة تحليلية لتطور موضوع الملف النووي الإيراني . نحاول، من خلال هذه القراءة، رسم صورة لمسرح المواجهة، وللخيارات السياسية والعسكرية المتاحة لمختلف الغرماء، المتورطين بهذا الملف .

في خطاب ألقاه الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، بعد أحداث سبتمبر/أيلول ،2001 أطلق ما سمي ب”الحرب على الإرهاب” . وتحدث عن “محور للشر” حدده في العراق وإيران وكوريا الشمالية . ومع أن أفغانستان استثنيت من هذا المحور، إلا أنها كانت المحطة الأولى في تلك الحرب . فبعد أسابيع قليلة من خطاب بوش، أنجز الجيش الأمريكي احتلالها، ليتوه فوق سفوحها وجبالها العاتية . وتلازم ذلك مع التحضير لاحتلال العراق، الذي نجز في 8 أبريل/نيسان عام 2003 . ورغم تهديدات أمريكا المستمرة، لكوريا الشمالية وإيران، بقيتا بمنأى عن الاستهداف، مع ثبوت امتلاكهما لأسلحة الدمار الشامل، وسعيهما الأكيد لحيازة التكنولوجيا النووية .

وإذا كان الموقف الأمريكي المتردد تجاه الملف النووي الكوري الشمالي، مفهوماً، نظراً لارتباط الجزء الشمالي من كوريا بتحالفات استراتيجية مع الصين وروسيا، تجعل العبث بسيادتها مساً مباشراً بتلك التحالفات، بما يقحم الإدارة الأمريكية في صراع مع دولتين كبريين، لا ترغب هذه الإدارة بالدخول في صراع مباشر معهما . فإن الحال مختلف تماماً مع إيران، ومع ذلك لم يتعامل الأمريكيون معها، بصدمات الرعب والترهيب التي تعاملوا بها في أفغانستان والعراق .

لقد بقي موضوع الملف النووي الإيراني معلقاً، من قبل واشنطن، رغم الموقف الرافض لحيازة إيران للتكنولوجيا النووية . لقد استمر الصراع، بين أمريكا وإيران، وتصاعد إيقاعه عدة مرات، واقتربت المنطقة من حافة الحرب، ثم تراجع فجأة، ليجدد الحديث عن الحوار ثم يعاد من جديد الحديث عن ضغوط وعقوبات تفرض على إيران، في حالة مضيها قدماً بتنفيذ برامجها النووية .

كانت المحطة الأخيرة، في هذا الصراع صدور القرار رقم 1929 عن مجلس الأمن الدولي الذي تضمن فرض عقوبات جديدة، منعت بموجبه إيران من بناء وحدات جديدة لتخصيب اليورانيوم . كما حرم عليها الاستثمار بالخارج في نشاطات حساسة، مثل استخراج اليورانيوم والتخصيب أو النشاطات المتعلقة بالصواريخ البالستية . وقد حظر القرار على إيران شراء ثماني فئات من الأسلحة الثقيلة كالدبابات والعربات القتالية المصفحة والمدافع من العيار الثقيل والطائرات والمروحيات القتالية والبوارج والصواريخ . ووسع القرار مجال عمليات تفتيش السفن في عرض البحر لتشمل الحمولات البحرية المشتبه فيها والآتية أو المتوجهة إلى طهران . ومنعت إيران، من ممارسة أي نشاط مرتبط بالصواريخ البالستية القادرة على نقل أسلحة نووية .

الواقع أن القرار الذي تأخر صدوره طويلاً، وكان نتاج عمل مكثف من المساومات والمقايضات، جاء في صيغة رفع عتب، من قبل “المجتمع الدولي”، رغم النغمة العالية لبنوده .

فقد أفصحت التصريحات الرسمية التي صدرت عن مسؤولين كبار، في دول مختلفة، بعد إعلان قرار مجلس الأمن، عن عدم فاعليته . فموسكو أعلنت على لسان وزير خارجيتها، سيرغي لافروف أن العقوبات التي تضمنها القرار لن تمنع روسيا عن تسليم إيران صواريخ من طراز “إس -300” . وأكدت أنها لن تتوقف عن تنفيذ عقودها مع إيران في المجالات النووية . أما الصين فقد ضمنت عدم المس بصادراتها إلى إيران ووارداتها منها، بما في ذلك الاستثمارات النفطية والأسلحة الدفاعية وسائر السلع الاستهلاكية . والبرازيل وتركيا اعترضتا على القرار، وأوحتا بعدم التزامهما به، والأخيرة دولة مجاورة لإيران، ولها حدود واسعة معها .

سؤال مركزي يطرحه الموقف الأمريكي غير الحاسم في تعامله مع الملف الإيراني . لماذا اتسم هذا الموقف بالتردد تجاه التعامل مع إيران، في حين كان حاسماً في المسألتين الأفغانية والعراقية . إن الإجابة عن هذا السؤال، ستسعفنا بالتأكيد، في تصور الخيارات التي يمكن أن تلجأ إليها الإدارة الأمريكية الحالية في تعاطيها مع الملف الإيراني .

وكما في كل مقاربة سياسية، لقضايا صراعية، لا مناص من الأخذ بعين الاعتبار، موقع البلد المستهدف في خارطة التنافس الإقليمي، ومعادلات التوازن الدولي، والاستراتيجيات المعلنة للدول الكبرى . فإن هذه القراءة ينبغي أن تضع في الحسبان موقع إيران، في هذه المقاربة، وعلاقة ذلك بالخيارات الأمريكية المحتملة .

في هذا الاتجاه، نلحظ جملة من الأمور، التي نعتقد أن وعيها لازم لوعي لصياغة هذه المقاربة، فإيران، كما هو العراق، بلد رخو، من حسن طالعه أنها مثل منطقة جيوسياسية، لا يسمح عمالقة القوة بالعبث بها، كونها تعزل الدب القطبي عن مياه الخليج الدافئة . وفي كل المعاهدات والأحلاف التي نشأت في المنطقة، منذ الحرب العالمية الأولى حتى قيام الجمهورية الإسلامية، كانت إيران طرفاً فيها، وكان بقاؤها مستقراً ولا يزال، مطلباً غربياً، وأمريكياً بامتياز، لأنه الضمانة للحيلولة دون التسلل الروسي للجنوب . ورغم هذه الميزة، التي حظيت بها إيران، خلال حكم الأسرتين القاجارية والبهلوية، ثم في ظل الجمهورية الإسلامية، فإنها بتشكلها الجغرافي الحديث، مرشحة دائماً لقلاقل مستقبلية، كون مخزونها البشري يضم في أحشائه وفي جنباته، تشكيلات إثنية، ودينية ومذهبية تمثل نسبة لا يستهان بها من تعداد سكانه .

إن اللوحة الفسيفسائية الإيرانية والرخوة، تتيح للقوى الخارجية استثمار الحلقات النافرة، لتهديد وحدتها . فإلى الجنوب الشرقي منها تقع منطقة بلوشستان . ومعظم سكانها من البلوش، ويمثلون قوة إثنية وطائفية مختلفة، كونهم من أهل السنة . والعمق الثقافي والديني لهؤلاء يمتد واسعاً إلى منطقة الخليج العربي، وتتصل شرقاً بباكستان، وأفغانستان حيث يرتبط هؤلاء بمجموعات عرقية مماثلة، وبعلاقات تاريخية قديمة مع تلك المجموعات .

في الجنوب الغربي من إيران، تقع منطقة الأحواز التي يطلق عليها الإيرانيون “خوزستان” . وتضم مدناً عربية عريقة، كالأحواز والمحمرة وعبدان والحويزة . وكانت إمارة عربية موحدة، وقعت مع البريطانيين معاهدة حماية، شبيهة بالمعاهدات التي وقعتها مشيخات الخليج، وآخر أمرائها هو الشيخ خزعل الكعبي . وقد تم احتلالها من قبل الفرس عام ،1925 أثناء حكم الشاه رضا خان، والد شاه إيران الذي أطاحت به الثورة . ورغم محاولة الحكومات الإيرانية المختلفة “تفريس” هذه المنطقة، من خلال طمس اللغة العربية، وتشجيع الاستيطان الفارسي بالمحمرة، فقد تمسك أهلها بهويتهم العربية، وظلوا يطالبون بحقوقهم الثقافية والقومية .

في الشمال الغربي، تقطن الأقلية الكردية، ويقدر تعداد سكانها بما يزيد على السبعة ملايين نسمة، ويشكلون امتداداً تاريخياً وثقافياً لنظرائهم في شمال العراق وجنوب شرقي تركيا . وهناك أيضاً التركمان، ويشكلون أقلية قومية لا يستهان بها، ولهم علاقات ثقافية وتاريخية بمركز لغتهم، تركيا . وجميع هؤلاء يحملون صبوات في الانعتاق الذاتي والتحرر الثقافي، والتعبير عن كينونتهم .

يضاف إلى هذا الحضور الإثني المتعدد الألوان، التعدد الديني، فرغم أن الشيعة الإمامية يمثلون الجزء الأكبر من شعوب إيران، إلا أن هناك أقليات من اليهود والمسيحيين والزرادشتيين، والصابئة والبهائيين . وكل يطمح في الاعتراف به، وبحقوقه الدينية، فضلاً عما أشرنا له من وجود مسلمين سنة، ضمن جميع الأقليات القومية، آنفة الذكر: بلوشاً وعرباً وأكراداً وتركماناً .

كان النفاق الدولي، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وحتى يومنا هذا قد تجاهل تماماً حقوق الأقليات القومية والدينية والمذهبية في إيران، بينما ركز عليها في العراق .

ما علاقة هذه القراءة بتطورات أزمة الملف الإيراني؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للتعامل مع هذا الملف؟ ذلك ما سوف نتناوله في الحديث القادم بإذن الله .

yousifmakki@yahoo .com

"الخليج"

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC