لا أعرف بلداً عشت فيه أو مررت به قبل عقدين أو أكثر لم يكن الفساد إلا جزءاً ضئيلاً أو معتدلاً فيما رأيت وشاهدت، ولا أعرف بلداً مشيت إليه في السنوات الأخيرة أو أمر به الآن مرور العابر أو الزائر إلا ورأيت الفساد موغلاً في كل ركن من أركانه ومؤثراً في كل صغيرة وكبيرة ومشوهاً العلاقات الاجتماعية، حتى علاقات الأب بابنه والزوج بزوجته، والصديقة أو الصديق بالصديق تأثرت .
لا حاجة بنا، في بلدنا العزيز، لتكليف متخصصين يقومون بحصر حكايات الفساد وأنواعه وجرائمه وتجارب المواطنين معه ثم يحللون ما جرى حصره وعده ويعدون تقريراً، لنعرف أن الفساد في مصر عم البلاد وفاض على الضفتين وأغرق ما لا يمكن تعويضه من قيم وعادات وثقة مواطن في سلطة تحكم وتساوي وسلطة تربي وتعلم وسلطة تعمر وتجبي .
تهامسنا حول أمانة الانتخابات الأخيرة قبل إجرائها لاختيار أعضاء مجلس الشورى . راح الهمس وحل محله الصوت العالي بعد إجرائها، تهامسنا لأن شعبنا ما يزال يتعامل مع سلطة جائرة بحسن نية ويتمنى من قلبه أن لا تتمادى السلطة في غيها فلا يعرف عندئذ ما هو فاعل بنفسه وعائلته ووطنه . الآن ومع اقتراب إجراء انتخابات مجلس الشعب لا أرى الناس يتهامسون، أسمعهم يتحدثون بالصراخ، تجاوزنا الحديث بالهمس إلى الحديث بالصوت العالي، وهذا أيضا تجاوزناه إلى الحديث بالصراخ .
****
خرج متحمساً، بفرط اليأس والقرف، من يقول في الجلسات الخاصة، كما في العامة، لماذا انتخابات وأحزاب وحركات تغيير ومظاهرات واحتجاجات ومطالب بحرية صحف وتعبير . يقول: دعونا نعلنها صراحة أننا نبحث عن مستبد عادل إن وجد، ندعوه إن وجدناه ليتطوع وحده أو مع فريق لأداء مهمة محددة . أن يمسك بمكنسة كبيرة وعريضة وطويلة يكنس بها مصر من شمالها إلى أقصى جنوبها ومن بحرها الأحمر وحدودنا الرخوة في الشرق إلى عمق مصر في الصحراء الغربية .
وبالحماسة نفسها، خرج بفرط اليأس والقرف نفسهما، من يقول في كل مكان إننا نريد انتخابات وأحزاباً وحركات تغيير ومظاهرات واحتجاجات وحرية صحف وتعبير، ولابد أيضا من تدخل أجنبي بالدعم السياسي والإعلامي من جانب دول ومؤسسات دولية ومجتمع مدني عالمي . يقول: لا حرج في طلب التدخل، كما أنه لا حرج على المريض في طلب المساعدة والدواء والراحة إن دعت الضرورة، وفي حالة مصرنا الراهنة لم يعد يخفى أن شرط الضرورة متوفر . يقولون لن يخلص البلد من الفساد إلا مجلس نواب منتخب بنزاهة وفي ظل حرية تعبير ووجود ضمانات تضمن سلامة أنصار التغيير ونشطاء الديمقراطية والحرية . ومن هذا المجلس تخرج حكومة شريفة يعاقبها القانون إن امتدت يدها إلى المال الحرام أو استخدمت أساليب غير شرعية للحصول على امتيازات لطبقة الحكم أو التفت حول القوانين وأصول الحكم الرشيد فتستبد زاعمة أن للقانون أنياباً .
****
جربنا أنواعاً من هذا الحكم، وجربنا نوعاً من الحكم الآخر، ومازلنا نعيش فساداً رهيباً . أسهل لنا، وأوفر وأقل تكلفة من العذاب والتعذيب أن نختار البديل الديمقراطي . نعرف أنه يأخذ وقتا أطول، لكن سنكون شهوداً ومراقبين على الفساد حين يولد وحين يموت . لن يولد خفية كما حدث في ظل الاستبداد، ولن يعيش إلى الأبد في ظل القانون واحترام الحقوق . ستقف الصحف والفضائيات والمظاهرات له بالمرصاد . ولن يفلت من العقاب الفاسد والمفسد وأعوان هذا ورفاق ذاك . لن تنحاز الحكومة للفاسدين ولن تخضع لمشيئتهم مهما بلغت قوتهم، ففى ظل الاستبداد يعتمد الفساد على قيادة سياسية هي التي تحمي أو تعاقب وأحياناً تمارس الحماية والعقاب في آن واحد ومع الشخص الواحد . يعرف الفاسدون ونعرف نحن أيضا أن قوة الفساد مستمدة من ضعف السياسيين حتى وإن بدوا مهيمنين على أذرع الإدارة والإعلام والأمن . لا رادع في النظم الديمقراطية سوى النواب والشيوخ الذين انتخبهم الشعب إن صلح حالهم، هؤلاء يملكون أن تكون الحكومة قوية، وأن تكون لكل من الأمن والإعلام إرادة قوية تدعمها حكمة المشرع ورقابته الدائمة وحرصه على المصلحة القومية التي من أجلها رشح نفسه ومن أجلها انتخبته الجماهير .
****
ولكن، وهي لكن كبيرة، من يضمن لي ولك نواباً وشيوخاً غير فاسدين أو على الأقل لا يقدمون مصالحهم الشخصية على مسؤولياتهم الوطنية التي يفترض أنهم التزموا بها حين قرروا دخول العمل العام . من يدلني ويدلكم على برلمان مارس هذه الفضائل الطبيعية المنطقية خلال العقود أو السنوات الأخيرة، واستطاع بفضل هذه الفضائل وبحكمة أعضائه تحجيم الفساد وقمع الفاسدين وسد المسالك أمام المفسدين .
فى الهند نموذج لديمقراطية عريقة عراقة مرحلة ما بعد الاستقلال في منتصف القرن العشرين، وسنوات من قبل الاستقلال قضاها السياسيون الهنود يتدربون في أحضان حاضنتهم البريطانية . لا جدال أن الهند بمعايير
نظرية كثيرة تتمتع بنظام يسمح بتعدد الأحزاب وتجرى فيه انتخابات تحظى نزاهتها بتقدير واسع، حتى وإن كانت تتسم في أغلب الأحوال والمواقع بخضوعها لنفوذ ثروات خرافية وبخاصة في مجال شراء الأصوات والولاءات، مع كل ذلك يحظى النظام باستقرار سياسي معقول، ونشأت علاقة حميدة بين المؤسسات، أهمها العلاقة بين العسكر والمدنيين التي حرص المستعمر الإنجليزي على غرسها في المبادئ الدستورية ومنظومة الأخلاق الهندية . لولا هذا الغرس البريطاني لعانت الهند من بعض ما تعاني منه باكستان . والمعروف أنه كانت للإنجليز تجربة مع التقاليد العسكرية التي خلفها الحكم الامبراطوري المغولي في الهند حين كان للعسكر دور كبير في إدارة شؤون الدولة، وحين كانت التقاليد العسكرية أساس منظومة القيم . لا يعرف الكثيرون أن الإنجليز حين أسسوا للديمقراطية في الهند كانوا حريصين على إضعاف سلطات ومميزات الطبقة العليا التي كان يوكل إليها البريطانيون أحيانا حكم الجهات النائية أو المقاطعات التي تسكنها الأقليات مثل كشمير . هؤلاء كانوا يتمتعون بامتيازات كبيرة، وفي وقت من الأوقات كانت لهم جيوش صغيرة لحماية ممتلكاتهم ضد ثورات الفقراء واحتجاجات الفلاحين . هكذا استطاع البريطانيون تحصين الديمقراطية ضد القوة الاجتماعية التي تقف عادة عائقاً ضد إقامة الديمقراطية في كل المجتمعات وهي طبقة مالكي الأراضي والمسيطرة على نمط حياة طبقة الفلاحين .
من ناحية أخرى كان النضال ضد الاستعمار قد نهض على أكتاف قيادات من الطبقة الوسطى المتعلمة مستندة إلى قاعدة واسعة من الفقراء والبسطاء . ومن أجل هؤلاء، وبواسطتهم، استطاع المهاتما غاندى أن يقود النضال ضد الإنجليز ويشترط التقشف المادي أساسا للعمل السياسي في الهند . وبقيت صورة غاندي مهيمنة، صورة السياسي الذي يجب أن لا يحصل على دخل أكثر مما يستر جسده ويسد حاجاته الأساسية .
****
تغير الزمن، وتغيرت الأخلاق . الهند الجديدة نسيت غاندي، أو كان يجب أن تنساه لتساير التحولات التي جرت في أركان أخرى من العالم . طغت المادة وحب الظهور على كل شيء آخر . كان النواب الهنود يحصلون على مكافأة يومية تعادل دولاراً واحداً عن كل يوم عمل ولم تتحدد لهم رواتب ثابتة إلا في عام 1954 . الآن وصل الراتب إلى ما يعادل 345 دولاراً في الشهر أي حوالي 2000 جنيه مصري، يطلبون مضاعفتها خمس مرات وهو الطلب الذي أثار ثائرة الصحافيين والرأي العام؛ فالنائب حسب التقاليد السياسية الهندية خادم للشعب، ولا يصح بأي حال أن يحيا حياة متميزة في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر، و300 مليون شخص من دون كهرباء . كان النواب في زمن الحكم الإنجليزي يركبون الدرجة الثالثة في القطارات ليعايشوا عن قرب عامة الشعب ويعيشوا مع مشكلاتهم التي هي لب مسؤولياتهم . يقول النواب الهنود إنهم يطلبون زيادة رواتبهم لأنها الأقل في العالم، ولأن كبار الموظفين في الهند يحصلون الآن على رواتب هائلة . يقولون أيضا إنهم يستقبلون في منازلهم بالعاصمة أبناء دوائرهم فيقدمون لهم الشاي بينما الراتب يكاد يسد ثمن الشاي الذي يقدم للضيوف خلال أسبوع واحد . أما الصحف فترى أن النائب يحصل على أضعاف مرتبه النقدي من خلال امتيازات معينة . يحصل على الكهرباء مجاناً والسفر مجاناً ويقبض مكافآت مخصصة للمساعدين والسكرتارية ويسكن في شقة وفرتها الدولة ومكالماته الهاتفية مجانية، هذا بالإضافة إلى البدلات والمكافآت النقدية غير المنتظمة التي يتقاضاها بمناسبة السفر إلى الخارج أو الاشتراك في مؤتمرات دولية وإقليمية ومحلية .
كان كبار الديمقراطيين في الهند حتى وقت قريب يركبون سيارة ماركة “أمباسادور” وهي مصنوعة في الهند ليستعملها أبناء الطبقة الوسطى كتاكسيات ولا يمتلكها إلا كبار رجال الإدارة والحكم . الآن هؤلاء يمتلكون المرسيدس وغيرها من السيارات الفارهة بينما يشكو النواب من أنهم لا يمتلكون سيارات مناسبة كتلك التي يمتلكها الوزراء والوكلاء والمديرون، وبخاصة تلك التي يمتلكها مديرو المصارف ورجال الأعمال الجدد .
عرفت الهند كيف تحافظ على الديمقراطية عندما كانت الطبقة الوسطى تقود العمل التنموي والسياسي والإداري في الهند . تغيرت الأدوار . فالديمقراطية بمفهومها الجديد في الهند تعتمد على أصوات الفقراء بعد أن تخلت الطبقة الوسطى عن مهامها القيادية أو غابت وتركت القيادة لرجال الأعمال وممثليهم وجمعياتهم . الطبقة الوسطى الجديدة كقرينتها في مصر لا مبالية بالسياسة ولكن منشغلة بمشكلاتها الحياتية اليومية .
كذلك عرفت الهند في السابق كيف تحافظ على ديمقراطيتها بفرض الرقابة المستمرة على الفجوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء . ثم جاءت فترة بعد الثمانينات وتفاقمت الفجوة هناك كما تفاقمت هنا في مصر . هذه الفجوة “شفطت” الطبقة السياسية وجعلتها تتوقف عن التفكير في العواقب الكارثية التي يمكن أن تنتج عنها لو استمرت .
وقد حدث . توقفت الطبقة السياسية هنا وهناك عن التفكير في عواقب الفجوة، واستمرت هنا وهناك هذه العواقب . وبالفعل نشبت هناك، وليس هنا وهناك، حرب أهلية في منطقة هي الأفقر في شمال شرقي الهند وتهدد بالاتساع .
"الخليج"