التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > رأي وموقف

الشخصية الإنسانية

2010/06/17 الساعة 16:46
علي جمال الدين ناصف

يتبدى لى أن أعجب ما فى الإنسان شخصيته ،   لما  نستشعر تنوعها بعدد ما على الأرض من أشخاص ،  فترى الشبه الكبير قد يبدو واضحا بين الحجر و الحجر ، لترى نفسك احيانا غير قادر على التفرقه بينهما ،  و الكثير من الاشياء تعجز عن أن تجد ما يفرق بينهم ، فترى الشبه بين الوردة و الوردة فى رائحتها و لونها وكل شئ فيها ،  و كذلك ترى الحيوانات من فصيلة واحدة تتشابه و تتقارب حتى ليلتبس بعضها ببعض .   أما الإنسان و الإنسان فلا  حتى ليكاد يكون كل إنسان فصيلة وحده ،  فإن كان   علماء " الأثنولوجيا "  إستطاعوا أن يقسموا الإنسان إلى أنواع ،  و أن يضعوا لكل نوع خصائصه و مميزاته ،  فذلك عمل تقريبى محض ،  أما إن أرادوا الدقه التامة فلا بد لهم أن  يضعوا كل فرد فى قائمة وحده ،  له مميزاته  الخاصة فى جسمه و عقله، وروحه و خلقه ،  فإذا أردنا أن نحصى الشخصيات فى هذا العالم فعلينا أن نحصى عدد الناس فنضع ما يساويه من عدد الشخصيات ،  هذا و قد كانت اللغه عاجزة كل العجز عن أن تضع لكل شخصية أسما خاصا بها ،  فاكتفت فى الجسم بأن تقول طويل أو قصير ،  و سمين أو نحيف ، و أبيض أو أسمر ،  مع أن كل كلمة من هذه تحتها أنواع لا حصر لها ،  فهناك آلاف من أنواع الطول ،  و آلاف من أنواع القصر ،  و آلاف من الألوان ،  و لكنها عجزت فقاربت ،  و لو حاولت أن تضع اسما خاصا لكل نوع من أنواع العيون و حدها ، على إختلافها فى الألوان ،  و أختلافها فى النظرات ،  و اختلافها فى السحر ،  و اختلافها فى السعه و الضيق لوضعت فى ذلك معجما خاصا ،  وهيهات أن يغنيها .

و لعل يتضح أن علماءالجمال قد عجزوا فأكتفوا بقولهم جميل و قبيح ،  مع أن هناك آلافا من درجات الجمال ،  و آلافا من درجات القبح ،  بل أنك لا تستطيع أن تنزل إنسانين فى منزلة واحدة من الجمال و القبح ،  فلما أعياهم الإمر قنعوا بقبيح و جميل ،   و أكتفوا بالاجمال عن التفصيل .   هذا و قد عجز أيضا علماء الاخلاق فوقفوا فى ذلك موقف إخوانهم علماء الجمال ،  فسموا الأعمال إلى خير و شر ،  و قسموا الصفات إلى فضيلة و رذيلة ،  و سموا الإنسان خيرا أو شريرا ،  و هيهات أن يكون ذلك مقنعا ،  فالخير و الشر يتنوع بتنوع الأفراد ،  ولو كان للأخلاق ميزان دقيق لاحتاج إلى سنج  بعدد ما فى العالم من أشخاص .

و الحقيقه أن علماء كل علم عجزوا عجزا تاما عن أن يجاروا الشخصيات فى كل مناحيها ، و أن يسيروا وراء تحديدها تفصيلا ،  و وجدوا العمر لا يتسع لهذا ولا لبعضه ،  فعنوا بوجوه الشبه أكثر مما عنوا بوجوه الخلاف ،   و كذلك عنوا بالموافقات أكثر مما عنوا بالفروق ،  و فضلوا أن يضعوا مسميات شاملة ،  و إن شملها الخطأ ،  و أن يضعوا قواعد عامة ،  و إن عمها الغموض و الإبهام ،  و قالوا ليس فى الإمكان أبدع مما كان .

هذه الشخصية لكل فرد هى التى ميزته عن غيره من الأفراد ، و جعلتنى أنا أنا ،  و أنت  أنت  ،  و هو  هو  ،  ولولا هذه الشخصية لكان أنا و أنت و هو شيئا  واحدا .  هذه الشخصية هى مجموع صفاتك الجسمية و العقلية و الخلقيه و الروحية ،  تتكون من شكلك و نظراتك و نبراتك ،  و طريقة حديثك ،  و درجة صوتك من الحسن أو القبح ،  و إيمائك و إشارتك ،  كما تتكون من تصرفاتك .  وموقفك نحو المال ،  و درجة حبك له ،  و على الجملة كل علاقتك بالحياة ،  وكل علاقة الحياة بك .  و إذ كان الناس مختلفين فى هذا كله اختلافا يسيرا  أو  كثيرا  كانت الشخصيات كذلك مختلفة ،  و بين بعضها وبعض وجوه شبه فى بعض الأشياء ،  و وجوه خلاف فى بعضها ،  وكانت بعض الشخصيات تتجاذب و تتحاب ،  و تتباغض و تتنافر .  و فى الواقع أن معنى أحبك أو أبغضك ،  و أعرفك أو انكرك ،     أن شخصيتى تحب شخصيتك أو تكرها ،  و تعرفها أو تنكرها ،  و صدق الحديث : "  الأرواح جنود مجندة ،  ما تعارف منها ائتلف ،  و ما تناكر منها اختلف " .  و ليس معنى  حب الشخصية لشخصية أخرى أن الشخصيتين من جنس واحد ،  و أن ميولهما متقاربة ،  بل إن ذلك يرجع إلى قانون أكثر تعقيدا مما نظن ،   فقد يتحاب الشخصان لأنهما ميلهما العلمى فى إتجاه واحد ،  أو ميلهما إلى كيف من الكيوف متحد ،  و قد يتحاب الشخصان لأنهما مختلفان ويكمل نقص أحدهما الآخر ،  كما يحب أحيانا كثير الكلام قليل الكلام ،  و كما يحب الساكن الهادئ المتحفظ  المرح النشيط المتحرك ،  و كما تتعاشق الكهربائية السالبة و الموجبه . على كل حال ليس قانون تجاذب الشخصيات وتنافرها قانونا بسيطا سهلا يمكن الفصل فيه بكلمة أو اكثر .

هذه الشخصيات الإنسانية تختلف قوة وضعفا ،  فهذه شخصية عاجزة ضعيفه ذليلة ،  لا يكاد  يتبينها الإنسان إلا بعسر ،  ولا يكاد يراها إلا بمنظار ،  و لا يكاد يحسها إلا بمجهود ،  هى " كاللمبة "  قوتها شمعة واحدة ، بل هى فوق ذلك عالق عليها الاتربه لتضعف من قوتها ،   هى من صنف ما يستعمل فى حجر النوم ،  نور كلا نور ،  و وجود كعدم ،  لا تتعب نظر النائم لأنه لا يشعر لها بوجود ،  و لا تستهلك مقدارا يذكر من التيارالكهربى لأنها كامنة الحياة ، مسكينه فى فعلها و أنفعالها ، ضعيفة فى تأثيرها و تأثرها ،  و هذه شخصية أخرى   قوتها ألف شمعة أو ألفان أو ما شئت من قوة ،  تضئ فتملأ البيت نورا ،  بل هى أكبر من أن تضاء فى بيت ،  إنما تضاء فى شارع كبير أو ساحة عامة ،  فإن هى وضعت فى بيت أقلقت راحة أهله بقوتها ،  و أعشت الناظر بضوئها ،  و عد وضعها غير ملائم لجوها ،  و كان مثل ذلك من وضع فنارا فى بيت ،  و بين اللمبة الأولى الضعيفه الخافتة ، و الثانية القوية الباهرة درجات  لا تحصى ،  فكذلك الشخصيات بل أكثر من ذلك .  و لكن ما يمكن القول به أن هناك فروقا بين الشخصيات و    اللمبات ،  أهمها أن اللمبة الكهربائية  لا يمكن أن تنقلها من قوة إلى قوة ،  فاللمبة التى قوتها شمعة واحدة هى كذلك أبدا .  و التى قوتها مائة أو مائتان هى كذلك أبدا ،   و كل ما تستطيع أن تفعله أن تنظف اللمبة و تجلوها حتى لا يضعفها الاتربه العالقه عليها   من قوتها ،  أما الشخصية الإنسانية فقابله للتحول ، بل هى قابلة للطفرة صعودا و هبوطا ،  علوا و انحطاطا ،  فبينما هى خاملة ضعيفة إذ أتصل بها تيار قوى أشعلها و قواها حتى كأنها خلقت خلقا آخر ،  و كأنه لا اتصال بين يومها و أمسها ،  هى اليوم مخلوق قوى فعال يلقى اشعته إلى أبعد مدى ،  وكانت  بالأمس لا يؤبه بها ،  و لا يحس بضوئها .  كذلك ترى شخصيات أخرى يخبو ضوؤها ، فإذا هى مظلمة بعد نور ، و ضعيفة بعد قوة ،  ليس لها من حاضرها إلا ماضيها .  و كذلك شاء الله : يخرج الحى من الميت ، و يخرج الميت من الحى ،  و يخلق الإنسان فى أحسن تقويم ، ثم يرده أسفل سافلين .  و تاريخ الإنسان مملوء بالأمثال ،  فكم من نابغ بعد خمول ، و من خامل بعد نبوغ ، و هكذا شخصيات الناس فى مد و جزر دائما .

ومن الجديربالذكر أن كل شئ يواجه الإنسان فى حياته يؤثر فى شخصيته أثرا صالحا أو سيئا ،  فالغنى بعد الفقر .  و الفقر بعد الغنى ،  و اليأس بعد الأمل ، و الأمل بعد اليأس ،......  كل هذا و أمثاله له أثر فى تكوين الشخصية يختلف ضعفا و قوة .  و لو اخذنا بذلك فى مجال التعليم الذى أشرف بالعمل فيه ،  فأن أنجح معلم هو الذى يستطيع أن يصل بطلبته إلى أقصى ما فى إستعدادهم من رقى ،  و يبلغ بشخصياتهم إلى آخر حدودها الممكنه ،  ولكن بجوار هذا التأثير العادى اليومى تحدث حوادث يصعب ضبطها و تعليلها و حصرها ،  فقد تنقلب شخصيات الأفراد فجأة على أثر عقيدة دينية تملأ نفوسهم حماسة و قوة و عظمة ،  و قد يكون بروز الشخصية و ظهور النبوغ فى الإنسان على أثر مقابلته عظيما ،  فيحس بعدها كأن عود ثقاب أشعل فى نفسه فألهبها , و أضاء ما بين جوانبه و حفزه للعمل ،  و هون عليه الاخطار ، بل قد تكون العظمة نتيجة لشئ أتفه من ذلك كله ،  فقد يقرأ جملة فى كتاب ، أو يسمع عبارة من خطيب ،  فكأنها كانت مفتاح عظمته ، وكاشف حيرته ،  و قد تكون عظمة الشخص ليس من شئ خارجى ،  و أنما أتت من تفكير الشخص نيفسه فقد يضئ العالم امامه و هناك امثال كثيرة لذك .

و نأتى للقول فى النهاية أن النفوس إذا نضجت تلمست الوسائل المختلفه لبروزها ،  و ظهور عظمتها .   فصاحب الخصوصية لا بد أن يظهر يوما ما .  ولكن كم فى العالم من شخصيات كامنة ،  لو هيئ لها عودالثقاب لاشتعلت ، و لو أتيح لها القبس لأنارت ،  و كم من بذرة صالحة قوية لم تجد تربتها اللائقة بها ،  و عمل المصلحين و الشخصيات القوية فى كل أمة  أن يستكشفوا هذه الكوامن فيقدموا لها الغذاء و يتعهدوها بالنماء .

 alynassef@yahoo.com

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC