"العـدالة الانتقالية" مـن أدبياتها .... مـا هـي؟ وما أهـدافها؟ وكيف نشأت؟ وما هي فوائدها؟ آلياتها ومناهجها؟ بالإضافة إلى ماذا تعني لجان الحقيقة؟.
لا أبوح سرا إذا قلت أني ورغم تخصصي في مجال العلوم السياسية إلا أني لا أتذكر أن مصطلح "العدالة الانتقالية" مر علي سوءا فيما درست أو فيما قرأت....
وهذا بدورة مثل حافز دفع واستنفار للبحث في معنى هذا المصطلح كما أن التساؤلات التي ظلت تحلق حول رأسي باحثة عـن إجابة ولدت دافع آخر... فكان هذا المجهود البحثي لتحقيق راحة نفسية ذاتية أولا, ومحاوله لإسقاط التساؤلات المحلقة معرفيا تاليا..
بقدر أن الحديث عن العدالة الانتقالية كلام قد يمكن للواحد منا أن يجده مشتتا بالنقر على زر فـأرة العـالم الافتراضي , بـقدر ما يعتبر هذا جهد موجه ومفيد ونافع من حيث أنه يساهم بشكل ,وإن كان قاصر, في تحقيق هدف رفع وعي المواطن في المجال السياسي .... فما يتداوله الإعلام والسياسيين اليوم من أحاديث عن "العدالة الانتقالية " دون تفسير ولا تحديد.... سبب يشفع ويبرر لفكرة وجود هذه الإجابات ومن قبلها التساؤلات.
بخاصة أننا نعيش مرحلة انتقالية يجب أن نعايشها .....بل إن ما نصت علية المادة الثالثة من قانون الحصانة المقدم حكوميا والمقر برلمانيا والذي ألزم حكومة الوفاق الوطني ما نصه " تقديم مشروع بقانون" إلى البرلمان حول المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية .... يؤكد أهميته أن مفردة العدالة الانتقالية دخلت القاموس السياسي اليمني وسترتبط به طوال تاريخه القادم .... وهذا يوجب علينا أن نلم ولو قليلا بـ ما هي العدالة الانتقالية؟ والى ماذا تهدف؟ وكيف تطبق؟ وأين طبقت ؟ وما آلياتها ومناهجها؟ .
مدخل:-
بداية أقول إن مفهوم العدالة الانتقالية نتيجة حداثته النسبية لا زال ضبابي المعالم غير واضح ولا يمتلك خريطة تنفيذ دقيقه "كاتولوج استخدام". وتقديم الحكومة لقانون المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية سيضع اللمسات الأخيرة لمفهوم العدالة الانتقالية في منظورها اليمني ....وهذا كفيل بجعل التجربة اليمنية أنموذج يدرس ....
ولابد أن أشير إلى أن "العدالة الانتقالية" فكرة إنسانية الخلق إنسانية التطبيق يجعلني أقدس هذا الإنسان أكثر (الإنسان الذي يعمل عقله لحل أي مشكلات تواجهه )كما يجعلني أكثر إيمان بعظمة الخالق الذي ميز الإنسان بالعقل.
بعيدا عن هذا التنظير الذي قد لا يعجب نخوض مباشرة في سين جيم العدالة الانتقالية...أذكر أني أخوض سين جيم العدالة الانتقالية بشكل عام من أدبياتها الغربية بعيدا عن الحالة اليمنية تاركا مجال اليمننه والإسقاطات للقارئ الكريم....معلقا إن العدالة الانتقالية بمفهومها اليمني لن يتضح ويتحدد إلا عند صدور قانون المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية....المحرر
بحث عنها وأعدها للنشر – لـؤي عباس غالب
((رغم حداثة فكرة العدالة الانتقالية نسبيّا، إلا أن الربع الأخير من القرن العشرين قد شهد تجارب مهمة في مجال العدالة الانتقالية في مختلف أنحاء العالم. و في هذا الصدد، بدأ موضوع العدالة الانتقالية، يطرح نفسه خلال السنوات الأخيرة، وبدرجات متفاوتة في السياقات الوطنية لبعض البلدان العربية. و قد تباينت صيغ طرح الموضوع، سواء في شكل دعوات رسمية لبعض صناع القرار السياسي، في سياقات تثبيت السلم المدني وإنهاء النزاع المسلح أو في صيغة دعوات رسمية ذات صلة بحاجيات تعزيز الانتقال الديمقراطي عن طريق المصالحات الوطنية. كما تباينت صيغ طرح موضوع العدالة الانتقالية، بالنسبة إلى الضحايا والجمعيات المدنية المرتبطة أو المتفاعلة معه، من خلال أشكال متعددة، هيمنت عليها، بصفة رئيسة الدعوات الرامية إلى الكشف عن الحقيقة وعدم الإفلات من العقاب))*.
((طرح موضوع العدالة الانتقالية بصفة مباشرة، من قبل هيئات وجهات رسمية في إطار ديناميات تثبيت السلم المدني وإقرار المصالحة الوطنية في كل من الجزائر و السودان و العراق. كما بدأ الموضوع يفرض نفسه في سياقات ذات صلة بتعزيز الديمقراطية وتثبيت الوحدة الوطنية في كل من البحرين و موريتانيا. وطرح الموضوع كإرهاصات، وكدعوات للتفكير، في سياقات التصدي لإشكالات الدمقرطة والتفكير الاستراتيجي المرتبط بها، في كل من لبنان و اليمن))*.
}}س :- ما هي العدالة الانتقالية؟ في أدبياتها ؟
ج:- العدالة الانتقالية هي فلسفة ومنهجية، هدفها معالجة ماضي انتهاكات جسيمة، ومساعدة الشعوب على الانتقال بشكل مباشر وسلمي وغير عنيف إلى الديمقراطية...فما من شك أن كل وضع غير ديمقراطي واستبدادي ينتج عنه صور مختلفة من انتهاكات حقوق الإنسان، ولأنه لا يمكن التقدم للأمام أو تحقيق أي انتقال ديمقراطي ما لم تتم معالجة ملفات الماضي فيما يتعلق بتلك الانتهاكات، يتم تطبيق العدالة الانتقالية.
وهي لا تقوم على الثأر والانتقام، ولكن الوصول إلى حل وسط بين الحاكم والمحكوم، بين مرتكب الانتهاكات وضحاياه، في محاولة لمراجعة ما تم، و الخروج الاستراتيجي منه، لإعادة بناء وطن للمستقبل يسع الجميع، قوامه احترام حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون.
س:-ما هو هدف العدالة الانتقالية؟
ج:- تسعي العدالة الانتقالية إلى بلوغ العدالة الشاملة أثناء فترات الانتقال السياسي للمجتمعات والشعوب (مثل الانتقال من الحرب إلي السلم/ أومن الشمولية إلي الديمقراطية)
وتهدف العدالة الانتقالية إلي التعامل مع ميراث انتهاكات حقوق الإنسان بطرق ومناهج واسعة وشاملة تتضمن العدالة الجنائية، وعدالة جبر الضرر، والعدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية.
وترتكز علي اعتقاد مفاده إن السياسة القضائية المسئولة يجب أن تتوخي هدفاً مزدوجاً وهو: المحاسبة علي جرائم الماضي، ومنع الجرائم الجديدة من الوقوع.
كما لا تغفل الصفة الجماعية لبعض أشكال الانتهاكات مثل عمليات الإبادة الجماعية والمذابح الجماعية والتطهير العرقي، وغيرها.
----------------------------------------------------
س:- متى نشأت العدالة الانتقالية؟
ج:- يرجع تاريخ العدالة الانتقالية إلي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومحاكمات نورمبرغ والقضاء علي النازية،
وقد توطد مفهوم العدالة الانتقالية فيما بعد وأخذت الشكل الأكثر نضوجا الذي نعرفه اليوم بفضل عده عدة قضايا عالمية أهمها :-
- محاكمات حقوق الإنسان في اليونان في أواسط السبعينيات .
- والمتابعات ضد الحكم العسكري في الأرجنتين، وجهود تقصي الحقائق في أمريكا الجنوبية؛ فقد ساهمت لجان الحقيقة في تشيلي 1990 والأرجنتين 1983 في ترسيخ معني العدالة الانتقالية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
- كذلك ما يعتقد انه ساهم في ترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية فتح ملفات وكالة الأمن الداخلي السابق في ألمانيا، ومنع منتهكي حقوق الإنسان السابقين من الوصول إلي مناصب في السلطة من خلال ما عرف بعمليات التطهير في تشيكوسلوفاكيا 1991م.
- وكان للجنة الحقيقة والمصالحة التي أنشأتها جنوب أفريقيا عام 1995 دور كبير ومهم في دفع مجتمعات أخرى لتبني فكرة "العدالة الانتقالية".
- وأخيرا، تكللت كل تلك الجهود في مجال العدالة الانتقالية، بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر قمة التطور في نضال البشرية ضد امتهان كرامة الإنسان وحقوقه.
--------------------------------------------------------------
س:- طيب، ما الفائدة التي ستعود على أي مجتمع يمر بمرحلة انتقالية أو تحولية في أن يواجه الماضي وما أثر ذلك في إرساء السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في المستقبل؟
هناك الكثير من الدوافع التي تحتم ضرورة مواجهة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، بشفافية وعلي هدي من مبادئ العدالة الانتقالية:-
أولا: تصفية الحسابات بين الجاني والمجني عليه،
بمعنى: ضمان إرساء السلام الاجتماعي، ودعم التعايش السلمي بين ضحية هذا الانتهاك وفاعله.
ثانيا: عفا الله عما سلف
بمعنى: الانصراف عن الشكوى من انتهاكات الماضي إلى تعزيز مستقبل الديمقراطية وتقويتها، وذلك لاعتبار أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم علي أكاذيب، وأن مواجهة الماضي يمكن أن تؤدي إلي ديمقراطية أكثر قوة، وذلك من خلال إرساء مبدأ المحاسبة، ومكافحة ثقافة الإفلات من العقاب.
ثالثا: الواجب الأخلاقي في مواجهة الحقيقة
بمعنى: الاعتراف بالضحايا من جانب الجاني، وتقبل الضحايا للانتهاكات التي وقعت في حقهم، لأن النسيان هنا يعتبر شكلاً من أشكال إعادة الإحساس بالظلم والإهانه لهؤلاء الضحايا، وبالتالي فإن أسلم الحلول وأقلها ضررا هو فتح جراح الماضي بشفافية من خلال أشكال عديدة من بينها لجان الحقيقة(انظر الجزئية الأخيرة)، ومبادرات المصالحة الوطنية.
رابعاَ وأخيرا: تجنب تكرار نفس الفظائع في المستقبل
بمعنى: أن تكون عملية التذكر ونبش الجراح والمحاسبة هي عنصر ردع وتخويف لمن تسول له نفسه بارتكاب انتهاكات مماثلة في المستقبل.
----------------------------------------
س:- مناهج العدالة الانتقالية وآلياتها:
ج :- تقوم العدالة لانتقالية علي خمسة مناهج أولية لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان الماضية، هي-
الآلية الأولى: المحاكمات والتحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي الملزم لكافة دول العالم ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم،ولا يشترط أن يتم ذلك في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية مثلا، ولكن يمكن تطبيقها في محاكم محلية أو وطنية.(وهذه جزئية يجب التنبه لها عند دراسة الحالة اليمنية بخاصة لوجود قانون الحصانة بحيث تراعي خصوصية الحصان وسريانها بالحدود الدنيا ودون الأضرار بالبلد واستغلال إن القانون غير ساري فيما يخص قضايا الإرهاب) .
الآلية الثانية: لجان الحقيقة هنا أحب أنوه إلى أن لجان الحقيقة نشأت في الأساس بفضل المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان والمدافعون عن الديمقراطية وأبرزهم القائد الملهم نيلسون مانديلا.
الآلية الثالثة: تعويض الضحايا وجبر الأضرار ويشمل ذلك التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار أو ضياع الفرص ورد الاعتبار لمساندة الضحايا معنوياً، واستعادة ما فقد، إن أمكن.
الآلية الرابعة: الإصلاح المؤسسي ويعتبر أحد الآليات التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات خاصة، ويعتبر هذا الإصلاح ضروري لتفادي وقوع انهيار حضاري أو ديمقراطي في المستقبل.
الآلية الخامسة: إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية كآلية لإحياء ذكرى الضحايا والتأكيد المستمر على عدم الوقوع في نفس الأخطاء مرة أخرى.
لا تـعمل آليات ومناهج العدالة الانتقالية بصورة منفصلة عن بعضها البعض إنما تعمل وفق رؤية تكاملية فيما بينها. فمثلا قد يعتبر البعض إن قول الحقيقة دون تعويضات خطوة بلا معني خصوصاً إذا أعطيت وعود بالتعويض. ومن جانب آخر إذا تم منح تعويضات مادية دون عمليات مكملة لقول الحقيقة والمكاشفة سيتوقع من هذا خطورة أن ينظر الضحايا إلي هذه التعويضات كمحاولة لشراء صمتهم.كما إن تكامل عملية التعويض مع المحاكمات يمكن أن توفر جبرا للأضرار أكثر شمولا مما توفره كل علي حدى.
بناءا على ما سبق، ("العدالة الانتقالية" أو "العدالة الديمقراطية" كما يسميها بعض المتخصصين ، أهم كثيرا للحكام من المحكومين، فإذا ما نظرنا إلى حال الشرق الأوسط على سبيل المثال، سنجد أنه من أكثر مناطق العالم احتياجا لتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، فالشرق الأوسط هو صاحب الإرث الأكبر من النزاعات في العالم، فضلا عن الصبغة الديكتاتورية لغالبية حكام دول المنطقة، ومن ثم فإن ''العدالة الديمقراطية'' تُعد مخرجا استراتيجيا للحكام العرب إلى المجتمع الديمقراطي.
لكن للأسف بعض الحكومات العربية تعتبر فتح ملفات الماضي أمر لا جدوى منه فكل الأطراف أخطأت، وكلها متمسكة بما قامت به من انتهاكات أو أخطاء، وبالتالي فإن فتح هذا الملف لن يخرج بنا إلى نتيجة سوى المزيد من التعقيد -- على حد قولهم.- وأضيف أن هذه وجهه نظر لا نستطيع إغفالها).
لكن في الواقع، (من الأفضل للحكام العرب ولشعوب الشرق الأوسط أيضا، فتح هذه الملفات ومناقشتها وإنهائها بشكل مرضي على المستوى الداخلي، سواء عبر عقد لجان حقيقة داخلية أو عبر مبادرات مصالحة وطنية أو حتى إجراء محاكمات وتحقيقات داخل الوطن).
فهذا أفضل ألف مرة من أن يضطرنا حكامنا إلى اللجوء لقوى خارجية أو الاحتماء بالمحكمة الجنائية الدولية ضدهم.
--------------------------------------------------------------------
ما هي لجان الحقيقة؟
هي لجان لتقصي الحقائق، تعمل على إنشاء سجل تاريخي لانتهاكات حقوق الإنسان التي غالبا ما بقيت سرا عن طريق أخذ شهادات الضحايا والمجرمين، وإجراء التحقيقات المفصلة فيها.
وبالتالي تقوم لجان الحقيقة بتعريف أنماط الانتهاك ونقاط الضعف المؤسسية والهيكلية، والمشاكل الاجتماعية والثقافية، والأنظمة القانونية الضعيفة التي سمحت بحدوث مثل هذه الانتهاكات. وتعد لجان الحقيقة هي أحد آليات العدالة الانتقالية.*{{
--------------------------------
ختاما أيها الأعزاء ....هذه التساؤلات والأجوبة المعنونة بــ"سين جيم العدالة الانتقالية" أشبه بمقبلات تهدأ الجوع وليست وجبه كاملة...وهذا هو عشمي في طلب مسامحتكم عن أي قصور تخلل ما سبق .
ولنا لقاء...
Loay.aswadi@gmail.com