التعبير نت...
احد مواقع شبكة التغيير للإعلام

الناشر: عرفات مدابش
رئيس التحرير: وائل حزام
التعبير نت > رأي وموقف

منع الرئيس هادي من دخول دار الرئاسة

2012/01/27 الساعة 19:49
د.عبد الله أبو الغيث

   كنت في مقالٍ سابق تم نشره عقب التوقيع على المبادرة الخليجية بعنوان (منافسو هادي في رئاسة الجمهورية) قد اعترضت على انتخاب الأخ عبدربه هادي في انتخابات عامة مادام أنه سيكون بمثابة المرشح التوافقي الوحيد، وذلك من باب توفير الأموال والجهود التي ستنفق على تلك الانتخابات، وضممت صوتي إلى الأصوات المنادية باقتصار الموضوع على تزكية هادي من قبل البرلمان. وذلك لظني أن جميع الأطراف الموقعة على المبادرة الخليجية ستلتزم بها وتسلم بالبنود التي اشتملت عليها مع آليتها التنفيذية، ولكن يبدو (إن بعض الظن إثم).

حيث أوضحت التطورات التي حدثت بعد ذلك بما لا يدع مجالاً للشك بأن الطرف السياسي الذي ينتمي إليه الأخ عبدربه هادي، ممثلاً بالرئيس صالح وحزبة لم يعتبروا موافقتهم على المبادرة وتوقيعهم عليها إلا خطوة مرحلية لجأوا إليها مضطرين تحت الضغوط الدولية والإقليمية التي هددتهم بعقوبات صارمة؛ ستتضمن المحاكمات ومنعهم من السفر وكشف الغطاء عن استثماراتهم وأرصدتهم وفضح حجمها الحقيقي وأماكن تواجدها، وكان ذهابهم للتوقيع عملاً بالمثل القائل "من مشنقة إلى مشنقة فرج".

ولذلك فقد استمرت تحضيراتهم للانقلاب على المبادرة بأكثر من وسيلة وطريقة، وكان من ضمن ذلك إعدادهم لخطة جاهزة سيتم الإعلان عنها من ميدان السبعين بعد صلاة الجمعة بتاريخ 6 يناير، بدعوى عدم التزام المشترك بتنفيذ الاتفاقية، وكانت المواقع الأخبارية التابعة للّوبي المحسوب على الرئيس صالح قد بدأت تمهد لذلك بتبشيرها بخطاب مهم سيلقيه صالح في ذلك اليوم سيكشف من خلاله للشعب حقائق خطيرة عن عملية سير تنفيذ المبادرة الخليجية وعرقلة المشترك لها. لكن استباق الجانب الدولي لخطتهم وإعلانه من خلال وزارة الخارجية الأمريكية بأن المجتمع الدولي الذي كان شاهداً على توقيع صالح على المبادرة قادر على جعله يوفي بالتزاماته أوقف تلك المهزلة، وجعلهم يحجمون عن تنفيذها؛ أو بالأصح يؤجلونها بانتظار فرصة مواتية أخرى.

  وظل الرئيس صالح وببغاواته (الذين يوصفون زوراً بالصقور) منهمكون في مؤامراتهم من أجل إعادة خلط الأوراق؛ سواءً من خلال ضغوطاتهم على النائب وتعمد الإساءة إليه لجعله ينفذ تهديده بالرحيل عن صنعاء، أو بالحديث عن رسائل سرية موقعة ومختومة من قادة المشترك - خصوصاً حميد الأحمر ومحمد قحطان- إلى أنصارهم لحثهم على إفشال المبادرة الخليجية، من غير أن يخبرونا كيف تصل تلك الرسائل إليهم بهذه البساطة؛ وبصورة مستمرة! ولماذا يصر الأحمر وقحطان وبقية قادة المشترك على استخدام هذه الطريقة الساذجة في إيصال أوامرهم السرية والخطيرة تلك، خصوصاً إذا كان الأمر مجرد توجيه لأنصارهم، وهو ما يمكنهم إيصاله بدون مذكرات تحمل توقيعاتهم وختومهم.

ثم جاءت تمثيلية دخول ماقيل إنهم عناصر تابعة للقاعدة إلى مدينة رداع، حيث نفذت العملية بطريقة مفضوحة! لو كان أمر ترتيبها قد تُرك لبعض الصبية لأخرجوها بطريقة افضل بكثير، ولم يتمهل أصحاب تلك التمثيلية قليلاً ليروا نتائج تمثيليتهم، وسارعوا عبر وزير خارجيتهم بإعلان إحتمال تأجيل الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر أخرى بسبب الوضع الأمني المتأزم، من غير أي تشاور مع رئيس حكومته اورئيس الدولة المؤقت، ولسان حال من دفعوه لإطلاق ذلك التصريح يكرر مرة أخرى "من مشنقة إلى مشنقة فرج".

وتسويفاتهم تلك ربما تنبني على انتظارهم لمعجزة تهبط عليهم من السماء لتخرجهم مما هم فيه! ألم يخبرنا عبداللطيف المناوي المدير السابق للتلفزيون المصري في كتاب جديد له - نشرت صحيفة التايمز البريطانية ملخصاً له- بأن مبارك وأسرته حاولوا تأخير إعلان تنحيه قدر استطاعتهم، انتظاراً منهم تدخلاً من العناية الإلهية لنجدتهم، وكان مبررهم لذلك بأن الله الذي ذكر مصر في القرآن خمس مرات مقابل مرتين لمكة لن يترك هذه الأسرة التي تمثل مصر تواجه مصيرها! فما بالك بأسرة صالح التي تحكم اليمن، وهي من قال الله فيها "بلدة طيبة ورب غفور". وصدق الله القائل في وصف هؤلاء وأمثالهم "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون" وقوله "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صُنعاء".

   ورغم إعلان حزب المؤتمر تزكيته لهادي مرشحاً توافقياً لرئاسة الجمهورية وموافقة البرلمان في السبت المنصرم على ذلك بالإجماع إلا أن زبانية صالح سيظلون ينتظرون معجزات السماء حتى آخر لحظة من حلول موعد الانتخابات في 21 فبراير، وهذه المعجزة قد تكون في نظرهم حدث غير طبيعي تسوقه الأقدار لهم يقلب الأوضاع ويمكنهم من خلط الأوراق؛ سواء كان هذا الحدث على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، بحيث ينشغل به العالم من حولهم ويتخذونه ذريعة للإفلات من الضغوط الخارجية، ومن ثم يعلنون انقلابهم على المبادرة الخليجية ويمنعون الانتخابات الرئاسية أو على الأقل يؤخرونها إلى أجل غير مسمى، على أمل أن يكون حظهم أوفر في المرة القادمة.

   كل ذلك يجعلني أغير من رأيي وأقول بأن انتخاب الرئيس عبدربه هادي عن طريق صناديق الاقتراع بات ضرورة ملحة، حتى لا نمكن المتربصين بالمبادرة الخليجية من الانقضاض على دار الرئاسة من جديد، بدعوى أن ما تم إنما هو مجرد عملية انقلابية حسب وصفهم الدائم للمبادرة، بينما سيتحدثون بأن صالحهم منتخب من قبل الشعب وعبر صناديق الاقتراع. وذلك يحتم علينا جميعاً الحشد الجاد لهذه الانتخابات رغم عدم وجود المنافسين، لأن المؤكد أن ذلك اللوبي سيعمل بكل طاقته على تثبيط عزيمة الناس - خصوصاً أعوانهم وأتباعهم- لعدم المشاركة فيها، حتى ولو من باب القول أن الذين أنتخبوا صالح في 2006 كانوا أكثر من الذين خرجوا لانتخاب هادي في 2012. وقد سمعنا صالح في خطاب الوداع يحث أعضاء حزبه والأحزاب الكرتونية المتحالفة معه على التوجه إلى صناديق الاقتراع دون تباطؤ لانتخاب هادي، ونحن نعرف أن توجيهات الرجل عادة ما تُفهم وتنفذ من قبل اتباعه بطريقة معكوسة.

ونتخذها فرصة هنا لتوجيه سؤال إلى بعض فصائل الحراك الجنوبي وجماعة الحوثي عن سر رفضهم لعملية انتقال الرئاسة عبر الانتخابات القادمة؟ وما الذي يجعلهم يتمترسون في خندق واحد مع متأمري صالح وقاعدته؟! ونحن هنا لا نريد أن نتهم أحد بقدر رغبتنا في التنبيه. ومع تسليمنا بأن مقاطة أي انتخابات يظل حق يكفله الدستور والقوانين النافذة، إلا أن ذلك الأمر عندما يتطور إلى حديث عن منع الانتخابات وعرقلة سيرها سيجعل الشعب ينظر له على أنه مجرد بلطجة جديدة لن تفرق كثيراً عما مارسه بلاطجة صالح خلال السنة المنصرمة من عمر الثورة الشعبية، المنادية بالدولة المدنية الديمواقراطية التي تتعارض مثل تلك الأفعال معها.

وبدلاً من رفضنا للمبادرة الخليجية وآليتها المجمع عليها إقليمياً ودولياً سيكون من المناسب لو عملنا على تحسين شروط إخراجها وتنفيذها في الواقع العملي بطريقة تخدم الشعب ومصالحه، انطلاقاً من الرؤية العقلانية التي تعامل بها المشترك معها, والتي عبر عنها الأستاذ ياسين سعيد نعمان بقوله: بأن المبادرة وإن لم تكن تمثل الحل الأمثل إلا أنها كانت بمثابة الخيار المتاح.

   وبوصولنا إلى ما عنيناه من خلال عنوان المقالة بمنع الرئيس هادي من دخول دار الرئاسة – التي سماها الرئيس السابق في خطابه الوداعي بالسكن الرئاسي- نقول بأنه سيكون من الأنسب لو رفض الرئيس هادي السكن والإقامة في هذه الدار، وعمل بدلاً عن ذلك على إصدار قرار بتحويلها – بما تحويه من مبانٍ ومساحات يمكن البناء عليها- إلى مجمع حكومي للوزارات والمصالح الخدمية، الأمر الذي سيمكن المواطنين من انجاز معاملاتهم في مكان واحد بدلاً من تنقلهم المضني بين جهات العاصمة الأربع. وذلك لأن إقامة الرئيس (سواء كان هادي أو غيره) في تلك القلعة المترامية الأطراف - التي بنيت بعقلية اعتقدت امتلاكها للبلد وسعت لتوريثها- سيجعل منه دكتاتوراً جديداً قد نحتاج لثورة أخرى من أجل إخراجه من تلك الدار. وسيكون من المناسب لو جعل الرئيس هادي مقر إقامته في القصر الجمهوري، نظراً للرمزية التاريخية والوطنية التي يمثلها، إلى جانب أن تسميته ستظل تذكر فخامته ومن سيأتي بعده من رؤساء بأنهم يحكمون بلداً ذو نظام جمهوري لا يجوز لهم مطلقاً مجرد التفكير بامتلاكه أوتوريثه.

 وينطبق ذلك على القصور الجمهورية في عواصم المحافظات اليمنية الأخري، بحيث تحول هي أيضاً إلى مجمعات حكومية تقدم الخدمات للمواطنين، أو يتم الاقتداء بالخطوة التونسية بجعلها متاحف ومعالم تراثية وثقافية، أو أي شيئ يتوافق عليه الناس لما فيه مصلحتهم. وتكتفي الدولة في عواصم تلك المحافظات باستراحات حكومية متواضعة تكون مقراً لإقامة كبار مسؤولي الدولة عندما يقومون بزيارتها هم أو وكبار ضيوفهم.

ويلاحظ أن الرئيس السابق صالح قد قرر قبل رحيله المفترض أن ينعم علي الرئيس الجديد هادي برتبة المشير، وهي خطوة تعد جيدة إذا نظرنا إليها بمنطق صالح وحبه للتفرد، فهو بذلك قد اعتبر هادي مستحقاً للرتبة العسكرية التي يحملها هو، رغم حرصه منذ توليه منصب الرئاسة على التفرد برتبة عسكرية لا يحملها أحد غيره في الجيش اليمني، إبتداءً بالعقيد ومروراً بالفريق وانتهاءً بالمشير، وذلك بعكس خالد الذكر الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي الذي خفض رتب قادة الجيش إلى مقدم، وظل يحمل تلك الرتبة التي كان يحملها معه معظم قادة الجيش في عهده.

 لكننا سنختم هذا المقال بهمسة في أذن الرئيس هادي بأن الشعب سيظل ينتظر منه توجيهاً يصدره في خطاب تنصيبه الرئاسي إلى كل وسائل الإعلام ومعها كل الجهات الإدارية والدوبلوماسية المختصة بعدم الإشارة الى رتبته العسكرية عند ذكر اسمه أوصفته الرئاسية، ذلك أن رئاسة الدولة هي منصب مدني لا علاقة له بالرتبة العسكرية التي يحملها الرئيس لا من قريب أو بعيد، بما في ذلك منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يرتبط في كل بلاد الدنيا بمنصب رئيس الدولة أو ملكها حتى إن كان شخصية مدنية.

وكما هو متعارف عليه في كل البلدان الديموقراطية فإن الشخص العسكري الذي ينتخب رئيساً للدولة يتخلى عن لقبه العسكري وبزته العسكرية، وهو ما لم يفعله مشيرنا السابق ونتمنى على مشيرنا الجديد فعله، حتى ولو من باب الاقتداء برؤساء لم يتم انتخابهم بطريقة ديموقراطية، كما كان الحال مع رؤساء جمهورية مصر العربية (عبدالناصر والسادات ومبارك) الذين لم نسمع لهم رتب عسكرية ولم نشاهدهم يرتدون بزاتهم العسكرية طوال فترة رئاستهم، رغم كونهم قادمون من المؤسسة العسكرية، وكانوا يكتفون بلقب السيد الرئيس.

 

Bookmark and Share
الرئيسية | حول التعبير | ارسل مقالاً | اتصل بنا
Powered By SSC